الصفحة 129 من 166

"فَهَذَا مِنْ فَوَائِدِ الْمُلَازَمَةِ، وَالانقِيَادِ لِلْعُلَمَاءِ"

فهذا من فوائده أنه يعرّفهم العلم الصحيح والخطأ، وكذلك يجعله أقرب لأن يمتثل العلم عملًا وسلوكًا، يقول مالك -أو غيره-: أن أمي كانت ترسلني إلى ربيعة كذا وكذا سنة فقط لأتعلم الأدب"؛ فهو طفلٌ صغير لا يحفظ ولا يكتب، فقط ترسله ليجلس في مجالس العلماء ليتعلّم الأدب، وهذا في الحقيقة ترون به الفارق بين من تأدّب على الشيوخ وأدبوه وزجروه، وهذه نراها في واقعنا أن أول صفة لمن لم يوجد لديه شيوخٌ يؤدبونه ويعلمونه: الكِبر والغرور، لم يعتد أن يُقال له:"اسكت"،"أخطأت"،"اجلس".. فهو نشأ شجرةً بكل غصونها لم يُهذَّب ولم يُشذَّب، فخرج بهذه الطامات؛ ولذلك ضرورة الشيخ في هذا الباب ضرورةٌ مهمة، وهذه حقيقةٌ لا ينبغي أن نغفلها في حديثنا عن هذا الباب، وهذا من فوائد ملازمة الشيوخ، فعندما يدخل المرء على عالمٍ ويرى الهيبة أليست تؤثر في قلبه وتربيه؟"

"وَالصَّبْرِ عَلَيْهِمْ فِي مَوَاطِنِ الْإِشْكَالِ؛ حَتَّى لَاحَ الْبُرْهَانُ لِلْعِيَانِ."

وَفِيهِ قَالَ سَهْلُ بْنُ حَنِيفٍ يَوْمَ صِفِّينَ:"أيهَا النَّاسُ! اتَّهِمُوا رَأيكُمْ، وَاللَّهِ؛ لَقَدْ رَأيتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَنَّى أَسْتَطِيعُ أن أرد أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَرَدَدْتُهُ"

قصة أبي جندل يوم صلح الحديبية معروفةٌ عندما جاء وردّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال:"اتهموا رأيكم"، وكان فيه الخير، هذا حدثٌ أفضل من مائة خُطبة، عاشره ورأى بنفسه، وكان يريد أن يردّه ثم رأى فيه الخير، ولذلك قال:"اتّهموا رأيكم".

"وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِمَا عَرَضَ لَهُمْ فيه من الإشكال، وإنما نزلت سورة الْفَتْحِ بَعْدَ مَا خَالَطَهُمُ الْحُزْنُ وَالْكَآبَةُ؛ لِشِدَّةِ الْإِشْكَالِ عَلَيْهِمْ، وَالْتِبَاسِ الْأَمْرِ، وَلَكِنَّهُمْ سَلَّمُوا وَتَرَكُوا رَأيهُمْ حَتَّى نَزَلَ القرآن فَزَالَ الْإِشْكَالُ وَالِالْتِبَاسُ."

وَصَارَ مِثْلُ ذَلِكَ أَصْلًا لِمَنْ بَعْدَهُمْ؛ فَالْتَزَمَ التَّابِعُونَ فِي الصَّحَابَةِ سِيرَتَهُمْ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى فَقُهُوا، وَنَالُوا ذِرْوَةَ الْكَمَالِ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَحَسْبُكَ مِنْ صِحَّةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّكَ لَا تَجِدُ عَالِمًا اشْتَهَرَ فِي النَّاسِ الْأَخْذُ عَنْهُ إِلَّا وَلَهُ قُدْوَةٌ وَاشْتُهِرَ فِي قَرْنِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَقَلَّمَا وُجِدَتْ فِرْقَةٌ زَائِغَةٌ، وَلَا أَحَدٌ مُخَالِفٌ لِلسَّنَةِ إِلَّا وَهُوَ مُفَارِقٌ لِهَذَا الْوَصْفِ -أي ليس له شيوخ-، وَبِهَذَا الْوَجْهِ وَقَعَ التَّشْنِيعُ عَلَى ابْنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيِّ""

وهذا غير صحيح لأن ابن حزم عنده شيوخ.

"وَأَنَّهُ لَمْ يُلَازِمِ الْأَخْذَ عَنِ الشُّيُوخِ، وَلَا تَأَدَّبَ بِآدَابِهِمْ، وَبِضِدِّ ذَلِكَ كَانَ الْعُلَمَاءُ الرَّاسِخُونَ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَشْبَاهِهِمْ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت