فهرس الكتاب
وَالثَّالِثَةُ: الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ أَخَذَ عَنْهُ""
ففضيلة الشيوخ كما رأينا بصحة الفهم، وثانيًا الاقتداء بهم.
"وَالتَّأَدُّبُ بِأَدَبِهِ، كَمَا عَلِمْتَ مِنِ اقْتِدَاءِ الصَّحَابَةِ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَاقْتِدَاءِ التَّابِعِينَ بِالصَّحَابَةِ، وهكذا في كل قرن، وبهذا الْوَصْفِ امْتَازَ مَالِكٌ عَنْ أَضْرَابِهِ -أَعْنِي: بِشِدَّةِ الِاتِّصَافِ بِهِ- وَإِلَّا فَالْجَمِيعُ مِمَّنْ يُهْتَدَى بِهِ فِي الدِّينِ كَذَلِكَ كَانُوا، وَلَكِنَّ مَالِكًا اشْتُهِرَ بِالْمُبَالَغَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَلَمَّا تُرِكَ هَذَا الْوَصْفُ رَفَعَتِ الْبِدَعُ رُؤوسَهَا؛ لأن تَرْكَ الِاقْتِدَاءِ دَلِيلٌ عَلَى أَمْرٍ حَدَثَ عِنْدَ التَّارِكِ، أَصْلُهُ اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَلِهَذَا الْمَعْنَى تَقْرِيرٌ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالى."
سؤال: كيف نجبُر عدم وجود الشيوخ؟
أولًا المدارسة، هذه نقطة مهمة لكن الطريقة الأفضل وهي كثرة القراءة والاطلاع؛ أن تقرأ في سيرهم كأنك تراهم، أن تعيش معهم، فإن هذا يؤدب النفس، قراءة كتب التاريخ وتاريخ الأئمة وسيرهم، فالذي يقوِّم اللسان كثرة القراءة وقراءة الشعر، فإنها تؤدي إلى تقويمه وحصول الميزان في داخل النفس لهذه الكلمات والوقع الحسن، بعد ذلك يمكن أن يصبح شاعرًا، ولمن ليس بدرجة الأوائل، وكما قال -عليه الصلاة والسلام-: (سدِّدوا وقاربوا) [رواه مسلم] ، فالطريقة لإصلاح هذا الخطأ وهذا العارض هو كثرة القراءة والاطلاع، حتى يراهم ويحسّ بهم ويشعر بقربه منهم ومن سيرتهم.
"فَصْلٌ:"
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَخْذِ الْعِلْمِ عَنْ أَهْلِهِ؛ فَلِذَلِكَ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْمُشَافَهَةُ، وَهِيَ أَنْفَعُ الطَّرِيقَيْنِ وَأَسْلَمُهُمَا؛ لِوَجْهَيْنِ:
الْأولُ: خَاصِّيَّةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالى بَيْنَ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ، يَشْهَدُهَا كُلُّ مَنْ زَاولَ الْعِلْمَ وَالْعُلَمَاءُ؛ فَكَمْ مِنْ مَسْأَلَةٍ يَقْرَأهَا الْمُتَعَلِّمُ فِي كِتَابٍ، وَيَحْفَظُهَا وَيُرَدِّدُهَا عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يَفْهَمُهَا، فَإِذَا أَلْقَاهَا إِلَيْهِ الْمُعَلِّمُ فَهِمَهَا بَغْتَةً""
وهذه واضحة، أنه لو قرأها لا تستقر بقلبه كما لو سمعها من غيره، وهذه تشهدون بها وتحسون بها بأنفسكم.
"وَحَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِهَا بِالْحَضْرَةِ, وَهَذَا الْفَهْمُ يَحْصُلُ إِمَّا بِأَمْرٍ عَادِيٍّ مِنْ قَرَائِنِ أَحْوَالٍ، وَإيضَاحِ مَوْضِعِ إِشْكَالٍ لَمْ يَخْطُرْ لِلْمُتَعَلِّمِ بِبَالٍ، وَقَدْ يَحْصُلُ بِأَمْرٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، وَلَكِنْ بأمر يهبه الله للمتعلم عِنْدَ مُثُولِهِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعَلِّمِ، ظَاهِرَ الْفَقْرِ بَادِيَ الْحَاجَةِ إلى مَا يُلْقَى إِلَيْهِ."