الصفحة 137 من 166

يجهل لسان العرب.""

ما الذي يريد أن يقوله هنا؟ القاعدة التي قررها أن هذا الكلام نزل بلسان العرب، فالعربي لم يرَ فيه اضطرابًا.

الاضطراب الذي يقع بين نصٍ ونص؛ ما سبب وقوعه؟

لماذا وقع التشعب وظهر الاختلاف؟

لأنها فروع، ولأن بعضها أشد بيانًا من بعض، فقد يظهر الاختلاف بين نصٍ شديد الوضوح في مراد المتكلم به، وبين بنصٍّ خفيٍ، أي أن المعنى في داخل النص الخفي ليس ظاهرًا بقوة البيان وقوة الظهور الموجودة في النص الأول، ولهذا السبب أولًا يقع في نفس من لا يحسن لغة العرب أنهما مختلفان وأنهما على تضاد، وفي حقيقة الأمر أنهما على توافق.

فالإمام الشافعي يقول لنا أن الشريعة متوافقة ولا يوجد في الشريعة متناقضات، وإنما وقع في نفس بعض الناظرين المجتهدين حصول التعارض بسبب أن قوة البيان في أحدهما أقوى من الآخر فخفي المعنى في الخفيّ فظن أنه معارض، وسبب هذا أن الرجل ليس عالمًا بالعربية فلم يستطع الغوص في المعنى الباطن في النص الذي فيه معنىً خفي، فخرج بمعنىً خاطئ فحصل لديه التعارض، والطريقة الصحيحة أن يكون الرجل بصيرًا بلغة العرب ليستطيع أن يصل إلى المعنى الخفي فيرى بينهما التوافق، فهو يتحدث هنا إذن عن مشكلة اختلاف النصين التي هي إحدى المشاكل الكبيرة.

من أمثلة هذا:

-لما قرأنا كلام الإمام أحمد في كتابه (الرد على من زعم أن ظاهر القرآن يستغني به عن السنة) ، الذي يقول أنه يكفيه ما في القرآن ولا أريد السنة، سببه أنه ظنَّ أن السنة تخالف القرآن، فلو كانت عنده السنة مؤيدةً لما لكتاب لَما قال هذا، فإذن هو حصل لديه التعارض بين شيئين فأخذ بأحدهما وترك الآخر من أجل أن تسلم له القضية.

-لماذا الفقيه يُقدّم نصًا على نص، ويأتي الحنفي ويقول: الخاصّ أضعف من العام فلا قيمة للخاص وسأتعامل مع العام؛ هذا لأنه ظن أن العام يناقض الخاص فلم يستطع الجمع بينهما، وهكذا.

إذن في الحقيقة لا ينبذ الناظر المجتهد نصًا ويُثبت آخر إلا لظنه أنه مخالفٌ له، والحقيقة أنه لا يوجد تعارض، وإنما حصل النظر بنبذ أحدهما دون الآخر عندما جهل الناس لغة العرب، فلم يفهم النص على المراد الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت