فهرس الكتاب
الآن دخل في مراتب البيان التي تكلم الشارع فيها عن مراده.
قال الشافعي:"فجِمَاع ما أبانَ اللهُ لخلقه في كتابه، مما تَعَبَّدَهم به، لما مضى من حكمه جل ثناؤه: من وجوه."
فمنها ما أبانه لخلقه نصًا؛ مثلُ جمُل فرائضه، في أن عليهم صلاةً وزكاةً وحجًا وصومًا وأنه حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونصِّ الزنا والخمر وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وبيَّن لهم كيف فَرْضُ الوضوء، مع غير ذلك مما بين نصًا.
ومنه: ما أحكم فرضه بكتابه وبيَّن كيف هو على لسان نبيه؛ مثل عدد الصلاة، والزكاة، ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل من كتابه.""
أجملَهُ في موطن، وهناك بين الحلال والحرام في مسائل واضحةٍ مفهومةٍ في لغة الناس، وهنا أمورٌ أجملها في مكان وفصلها في مكان اّخر، فليس هناك تعارضٌ بين الكتاب والسنة؛ فالسنة جاءت هنا مفسِّرةً للكتاب، فالشارع أمرنا بالصلاة والسنة جاءت ببيان كيفية ذلك، فهي تفسير لما أجمل.
"ومنه: ما سَنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما ليس لله فيه نصُّ حكم، وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- والانتهاء إلى حكمه، فمَن قبل عن رسول الله فبِفَرْضِ الله قَبِل".
وهذا ردٌ على من زعم أن السنة لا تأتي بأحكام جديدة، من الذي أعطى للسنة أن تأتي بأحكام جديدة؟ لأن الله فرض ذلك.
"ومنه: ما فرض الله على خلقه الاجتهادَ في طلبه"
وهذه من فتحِ اللهِ على الشافعي، وهي من المسائل الواضحة الجلية عنده، هناك شيءٌ تطلبه وأنت جالس، وهناك شيءٌ لا بد من التعب والسعي والكدّ للحصول عليه، ومن هنا يتفاوت العلماء بين بعضهم البعض!
"ومنه: ما فرض الله على خلقه الاجتهادَ في طلبه وابتلى طاعتهم في الاجتهاد، كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم."
إذن الاجتهاد عند الشافعي فرضٌ في البحث عن حكم الله في داخل كتابه وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
"فإنه يقول تبارك وتعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد 31] "