فهرس الكتاب
وقال: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} [آل عمران 154]
وقال: {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف 129] ""
لو أنتم تفكرتم في هذه الأدلة وتوجيهها لهذا المعنى، لرأيتم عجبًا في كلامه، كيف يحتج بالآية: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} ، من هو العدو الآن في هذه الآية؟ الجهل، فيستدل بهذه الآية وموطنها في القتال؛ لأنه حسب ما يفسر الشافعي لا يمكن حصول الخلافة إلا بالعلم، فهل يمكن أن يقع العمل الصالح بجهل؟ لا بد أن يقع بعلم، وهكذا تتفكر في كلام الشافعي فترى فيه العجب العجاب.
وبدأ يتكلم في البيان الأول وشرح ما بينه الشارع نصًا وما بينه مجملًا، وهكذا وأطال في هذا -رحمه الله-، ثم تكلم في موضوع الناسخ والمنسوخ والظاهر، والعام الذي يراد به الخصوص، والعام الذي يدخله الخصوص.
عليكم أن تفهموا أن كتب الأئمة على الخصوص لأنها صادقةٌ ومعبرةٌ عن نفسهم وعن ما يريدون، فالشافعي عندما تكلم في هذه النقطة من أول الكتاب يدل على أنها المشكلة الأولى والقضية الكبرى وهي قضية ادعاء تعارض النصوص، وهي موجودة في باب العقائد؛ التعارض بين ما هو عقلي وما هو نقلي، والتعارض بين النقول ما هو متواتر وغير متواتر، وهكذا، وهذه هي المشكلة الكبرى في الباب.
انتهينا من النقطة التي أردناها من كتاب (الرسالة) ، سنتكلم الآن عن موضوعٍ مهم؛ وهو:
معنى القطعي والظني.
نحن الآن لا نتكلم في أبواب العقائد، ترون أن القواعد واحدة، ولكننا نحصر حديثنا في مشاكل الفقه، ومن الأمور التي شاعت وأفسدت في دراسة الفقه الإسلامي في التاريخ في الوقت المتقدم هو القول: أن مسائل الفقه والأحكام الشرعية ظنيةٌ، تصور عندما يقع في ذهن طالب العلم مثل هذا التقرير! وهو قوله: أن الأحكام الشرعية مبناها على الظن، بهذا الإطلاق، والظن كلمة لا تُحدث الاحترام في النفس، الذي يقرأ كتاب الله: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس/36] ، فكلمة"الظن"أوقعت في نفس السامع -طالب العلم المبتدئ- أن الأحكام الشرعية لا ترتكز على شيءٍ قوي، فإنها عُرضةٌ للأخذ والرد، ويمكن لمن أثبت مسألةً أن يأتي آخرٌ وينقضها، فهي تبعث على نفس السامع اهتزاز مسائل الفقه والأحكام، ولا تُنشئ لديه الثقة بها، وهذا واضحٌ حتى عند المفتين، حتى صاروا يقولون من القواعد: أنه لا يجوز أن