الصفحة 140 من 166

يختلف الناس في العقائد ويجوز لهم أن يختلفوا في الفروع، وهكذا يطلقونها! وحيث جاء رجلٌ وادعى الاجتهاد في أي مسألةٍ فرعيةٍ فإنها لا تضر، المهم هو العقائد!

أولًا هذا التفريق باطل؛ فهناك من العقائد ما أدلتها ظنية -بحسب تقسيمهم على المتواتر والظني والقطعي-، ولكنهم يقولون أن العقائد يقينية والفروع الفقهية ظنية، وعرضةٌ للأخذ والرد، والجرأة على مخالفة النصوص مما يتعلق بالأحكام لا يترتب عليها تفسيقٌ ولا تكفيرٌ ولا يترتب عليها شيء!

قراءة من (الاستقامة) لشيخ الإسلام ابن تيمية في هذه النقطة:

هذه الطريقة في البحث قالها بعض الفقهاء، وقد قال أبو المعالي الجويني هذا الكلام في كتابه (غياث الأمم) ، وأتى شيخ الإسلام ابن تيمية إلى هذه النقطة ولم يعالجها معالجةً فرعيةً لمسائلها -كما ذكرنا أن الرد عليهم أن التفريق بين الأصول والفروع باطل، وأن بعض أدلة العقائد ظنية وبعض أدلة الفروع قطعية يقينية-، ولكنه عالجها من جهة الحالة النفسية والنتائج التي أودت إليها، وهذا النص الذي سنقرأه دليلٌ على أنهم كانوا ينظرون إلى الأقوال وآثارها على النفس، هل تُنشئ التعبد؟ هل تنشئ الأثر الصحيح أم تنشئ الأثر الباطل؟

أرجو أن تنتبهوا لها لأنها مهمة، وحين نقرأ كلام ابن تيمية سنبتعد عن طريقة قراءة الأصول حديًا حتى نرى كيف يعالج الأئمة بكلامهم المسائل ببُعدها الصحيح وليس ببُعد ترتيبها نقطةً وراء نقطة؛ فابن تيمية يتحدث عن الأثر الذي يؤدي إليه هذا القول، يقول شيخ الإسلام -رحمه الله-:

"ونجد أئمة أهل العلم من أهل البدعة والفُرقة، من أهل الإيمان والنفاق"؛ فهذا الأمر وقع فيه أهل الإيمان ووقع فيه أهل النفاق، ووقع فيه من اجتمع عنده إيمان ونفاق،"يصنِّفون لأهل السيف والمال من الملوك والوزراء في ذلك ويتقرّبون إليهم بالتصنيف في ما يوافقهم كما صنَّف كتاب (تحليل النبيذ) لبعض الأمراء، وهو الكرخي، أبو الحسن عُبيد الله بن حسن الكرخي، فقيه، انتهت إليه رياسة الحنفية في العراق، -وذكرناه لأنه أحد المؤلفين في الأصول سابقًا- ولقد صنف الجاحظ قبله كتابًا لكن أظنه مطلقًا، وكما صنّف ابن فورك كتابًا في مذهب ابن كُلّاب الرئيسي، وكما صنف أبو المعالي (النظامية) و (الغياثي) لنظام المُلك، وكما صنف الرازي كتاب (الملخَّص في الفلسفة) لوزير وقته زهير، وكتابًا في أحكام النجوم لملك وقته علاء الدين، وكتابًا في السحر وعبادة الأوثان لأم المُلك"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت