الصفحة 143 من 166

منهم يُناقض نفسه، حتى أن الشخصين والطائفتين بل الشخص الواحد والطائفة الواحدة يدَّعون العلم الضروري -العلم الضروري: أي الذي لا يمكن جحده، الحاصل في النفس ضرورةً من غير برهان ولا يمكن نقده بضده- بالشيء ونقيضه، ثم مع هذا الاضطراب الغالب عليهم يكفِّر بعضهم بعضًا كما هو أصول الخوارج والروافض والمعتزلة وكثيرٌ من الأشعرية، ويقولون في آخر أصول الفقه: المصيب في أصول الدين واحد وأما الفروع ففيها كل مجتهد مصيب":"

وهذا كلام (الغياثي) وكلام الغزالي في (المستصفى) الذين سُمّوا بالموثِّقة الذين يقولون كل مجتهدٍ مصيب.

[وهذا كله في كتاب (الاستقامة) المجلد الأول- ص 43 وما بعدها] .

"ثمَّ إِنَّهُم صنفوا فِي أصول الْفِقْه وَهُوَ علمٌ مُشْتَرك بَين الْفُقَهَاء والمتكلمين":

لماذا صار مشتركًا بين الفقهاء والمتكلمين؟ أصول الفقه في الحقيقة دراسةُ للنص لاستخراج المراد منه، ولكن إذا قصد هذا المعنى فإن المعنى الآخر أنهم جعلوا من مصادر أصول الفقه المنطق علم الكلام -وسموه أصول الدين-!

"فبَنَوه على أصولهم الْفَاسِدَة حَتَّى أنّ أول مَسْأَلَةٍ مِنْهُ وَهِي الْكَلَام فِي حدّ الْفِقْه لما حدُّوه بِأَنَّهُ: الْعلم بأحكام أَفعَال الْمُكَلّفين الشَّرْعِيَّة، أَورَد هَؤُلَاءِ كَالْقَاضِي أبي بكر والرازي والآمدي، وَمن وافقهم من فُقَهَاء الطوائف كَأبي الْخطّاب -من الحنابلة صاحب كتاب (الانتصار في المسائل الكبار) ومدح شيخ الإٍسلام كتابه هذا أنه يعرِّف ما هو الراجح في كلام أحمد، والترجيح بين المسائل المختلفة- وَغَيره، والسُّؤَال الْمَشْهُور هُنَا وَهُوَ أَن الْفِقْه من بَاب الظنون لأَنَّهُ مبْنيٌّ على الحكم بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس والعموم والظواهر، وَهِي إِنَّمَا تفِيد الظَّن فَكيف جعلتموه من الْعلم حَيْثُ قُلْتُمْ الْعلم"-ارجعوا لمقال الشاطبي، قال الشاطبي أن العلم يجب أن يكون ثابتًا لا يعتريه الظن ولا يعتريه الاجتهاد، فهو ثابتٌ لا يعتريه الزوال. فكيف سميتموه علمًا؟ وهذه المسألة أيضًا مذكورة في كتاب (المحصول) للرازي-.

"وَأَجَابُوا عَن ذَلِك بِأَن الْفَقِيه قد علم أَنه إذا حصل لَهُ هَذَا الظَّن وَجب عَلَيْهِ الْعَمَل بِهِ كَمَا قَالَ الرَّازِيّ":

فهم قالوا: وضعنا قاعدة وحللنا المشكلة، وقلنا يكفي حصول الظن لوجوب العمل! وضعوا قاعدةً أفسدوا بها القاعدة التي قرروها، وهي أنه لا ينبغي للعلم أن يبنى على الظن، كما قال الرازي.

"فَإِن قلتَ:"الْفِقْه من بَاب الظنون"، فَكيف جعلتَه علمًا؟"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت