الصفحة 142 من 166

كل شيء فيه خلاف! وثانيًا: قالوا: أن كل مجتهد مصيب، ما دام ليس لله في الأحكام حكمٌ معين؛ فكل حكم يقوله عالمٌ مصيب، وهذا تدمير للدين! لأن القول بهذا يؤدي إلى أنه ليس لله حكم، وكل واحدٍ قال بقولٍ واطمأن إليه فهو حكم الله.

عندما وصل الأمر إلى القول بأن الأحكام كلها ظنية، رأيتم درجة الفساد؟ ورأيتم آثارها؟!

"حتى ينقسم المجتهد إلى مصيب ومخطئ":

هم لا يقولون هناك مصيب ومخطئ، بل قالوا: كل مجتهد مصيب، وقالوا: بل الحكم في كل شخص ما أدى إليه اجتهاده، حلال وحرام كلاهما صحيح، لكن الحلال لقوم والحرام لقوم!

"وقد بيّنا في غير هذا الموضع ما في هذا من السفسطة والزندقة، فلم يجعلوا لله حكمًا في موارد الاجتهاد أصلًا، ولا جعلوا له على ذلك دليلًا أصلًا":

صاروا يقولون: هي أماراتٌ على الحكم وليست أدلة للحكم، ما دام أنها ظنية!

"بل ابن الباقلاني وغيره يقول: وما ثم أمارةٌ في الباطن بحيث يكون ظنٌ أصح من ظن، وإنما هي أمورٌ اتفاقية"، هذه شرحها يطول وسنتكلم عنها في قضايا التحسين والتقبيح، فسنؤجلها.

"فليست الظنون -الظنون أي الحكم الذي وصل إليه اجتهاده، وهو حكم الله- عنده مستندةً إلى أدلة وأمارات تقتضيها -أي الكتاب والسنة- كالمعلوم في استنادها إلى الأدلة -فلا يوجد رابط بين الدليل والظن الحاصل في القلب- ثم إنه وطائفةٌ مع هذا قد أبطلوا أصول الفقه ومنعوا دلالتها، حتى سُمّوا (واقفة) . -الآن يرد عليهم- والكلام نوعان: أمر وخبر، فمنعوا دلالة صيغ الأمر عليه، ومنعوا دلالة صيغة الخبر العام عليه":

لا ارتباط بين اللفظ والظن الحاصل في نفس المجتهد، ماذا رد عليهم الزنادقة في هذه النقطة؟ قالوا: ما دام أنه جاءت في الكتاب والسنة أدلةٌ على قضايا الأحكام وجعلتموها ظنيةً وهي من نفس المَعين، جاءت للدلالة على أخبار سميتموها عقائد، فلم فرّقتم؟ فهم فتحوا الباب للآخرين ليبطلوا حتى الذي زعموا أنه محصَّن.

ومن النتائج أيضًا:

"ومن فروع ذلك أنهم يزعمون أن ما تكلموا فيه من مسائل الكلام -والتي عامة قواعدها عندهم جاءت من المنطق، ومن تقريرات الأوائل الذين يسمّونهم الحكماء! - هي مسائل قطعية يقينية وليس في طوائف العلماء من المسلمين أكثر تفرّقًا واختلافًا منهم -ما دام المسائل قطعية لماذا اختلفتم؟! - ودعوى كل فريقٍ في دعوى خصمه الذي يقول أنه قطعي، بل الشخص الواحد"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت