هذا الكلام قاله صاحبه، وأن هذا الكلام لم يقله صاحبه-، كما أن هناك مراتب بين القبول والرّد، ولهما درجات، والمردود قد لا يصلح أبدا وقد يصلح للاعتضاد.
فالإنسان المسلم يجب أن يصطبغ بمنهج علم الحديث؛ بمعنى أن يكون متثبّتًا وألا يقبل كلّ كلام، وكفى بالمرء ظنًّا ووهمًا أن يُصدّق كل ما يُقال له، حينئذ يصبح إمّعة وتتيه لديه معالم الصدق والكذب.
وتحقيق الخبر -أيها الإخوة- ليس بهذه السهولة، نعم؛ فالمرء يُصاب بالمعاناة والمشقة بالتحقق من الخبر، وخاصّةً إذا دخل عليه بعض العوارض.
وربما بعضكم قد قرأ كتاب (أباطيل و أسمار) للشيخ محمود شاكر، ورأى الطريقة الراقية التي استخدمها في تحقيق نص منسوب إلى أبي العلاء المعري، وهو قدومه على دير الفاروس وشدوه شيئًا من الفلسفة أو علوم الأوائل، والتي جعلها البعض من المتأخرين هي أساس اعتماد كون المعريّ فيلسوفًا مُلحدًا، أو أنه أخذ من فلسفة اليونان، فرأينا كيف رتّب الكتب التي روت الخبر، ومن الذي بدأ بها، ومن المثنّي والمثلّث، وهكذا ترتيبًا تاريخيًا، ثم رأى كيف أن الخبر قد تحوّر من راوٍ إلى راوٍ، ومن ناقل إلى ناقل، حتى أن استبدال كلمة تعبر عن مراد المتكلم بأخرى قد يغير المعنى، فرتّب الكتب الراوية، وتثبت من صحة كل رواية ثم عرضها على باقي الروايات.
وهذه الطريقة التي سلكها طريقة حديثيّة؛ تجد أن علماء الحديث يقولون عن حديث رواه شيخ ما أنه منكر لأنهم رأوا الطبقة الأولى من الرّواة لهذا الشيخ الذي عاشروه أكثر عمره راويًا ومُحدِّثًا لم يحدثوا بهذا الخبر، فأنْ يأتي إلينا رجل مغمور، وفي حفظه وضبطه شيء، ويروي لنا هذا الحديث؛ هذا مُشكل، وإن كان هذا الرجل لو وافق غيره لأخذناه.
ومن أراد كذلك أن يرى شيئًا من هذا يستطيع أن يُراجع الكتب التي عالجت بعض الأحاديث المُشكِلة؛ مثلًا: كتاب (الصَّارم المُنْكي) لابن عبد الهادي -عليه رحمه الله-، عندما يناقش حديث: (من حَجَّ ولم يزرني فقد جَفَاني) ؛ المشكلة: هل راوي الحديث هو عُبيد الله ابن عمر العمري -الكبير المصغّر-؟ أم هو عبد الله ابن عمر -الكبير ولكنه الصغير-؟ عبيد الله شقيق لعبد الله؛ عبيد الله هو المصغّر وعبد الله هو المكبّر، ومع ذلك فعبيد الله هو الكبير عمرًا وعبد الله هو الصغير، فمن هو الذي يروي؟
بعض الرواة روى عن عبيد الله وبعضهم روى أنه عبد الله، عبيد الله ثقة وعبد الله ضعيف.