طريقة رائعة تدلّ على سعة هذا العلم، وعلى أنّه يُحقّق لديك الخبر من خلال عرضه على شواهد الأقران.
هل يدخل الغلط في الحديث الصحيح سندًا؟
حتى لو صحّ الحديث وظهر لنا أن سنده ليس فيه كذّاب ولا مُتّهم ولا مُغرِض؛ هل يمكن أن يدخل فيه الغلط في داخل روايته؟
أهل الحديث قالوا أن الحديث إذا خالف الحِسّ فهي إحدى دلائل الوضع عليه، وهذه الطرق للمعالجة لا تريد تثبيت الخبر من جهة السند، ولكنها تُعالج الحديث من جهة معناه؛ كأَنْ يكون الرجل داريًا بحال المُتكلِّم من جمعه لأخباره، من حفظه لسيرته، ويعرض هذا الحديث ويراه نشازًا في سيرة هذا الرجل.
إذن؛ علم الحديث هو علم التَّثبُّت، وأنتم تعرفون القول المشهور:"وما آفةٌ الأخبار إلّا رُواتُها".
والكذب هو أساس كل المصائب التي تقع في حياة الناس، والافتراء مصيبته أنه وإن ثبت بعد ذلك كذبه، فهو يصبغ النفس البشرية بمعانٍ من الصّعب أن تتغيّر بعد ذلك. وهذه طريقة من طرق الدعاية المستخدمة؛ فالذي يُخرج الدِّعاية في بيئة ما، يعلم أنها بعد ذلك قد تُكَذَّب أو تُكتَشف، ولكنّه لا يَعدم أن يبقى أثرها في المحيط الذي خرجت فيه، وستبقى الكلمة:"كيف وقد قيل؟"، وهي واضحة في كلامه -صلى الله عليه وسلم-: أن امرأة عجوز دخلت على رجل تزوّج امرأة، فقالت:"أنا أرضعتك وإيّاها"، فجاءت امرأة وكذّبت واختلط الأمر، فقال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟) ؛ يعني الآن أنت ماذا سيكون حالك مع زوجك وأنت قد سمعت الخبر أنها أخت لك في الرضاعة؟ لن يطمئن قلبك، وسيقع في قلبك آلاف الواردات وأحاديث النفس التي تُبغّضك بها.
إذن؛ علم الحديث هو علم يصبغ النفس البشرية بالتّرقي، ودافعه في ديننا: الورع، ويكون عظيمًا عندما يتعلّق الأمر بما ينبغي على المرء في تعامله مع الله. نعم؛ حتى في التعامل مع البشر يجب التوثُّق، ولكنّه يكون عظيمًا عندما تريد أن تعرف ماذا يحب الله وماذا يبغض، ومن هنا قال -صلى الله عليه وسلم-: (ليس الكذب عليّ ككذبكم على أحدكم، من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار) ، وخلاف العلماء في تكفير الكاذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معروف، ولولا وجود الوضع ووجود الزّنادقة ووجود أصحاب النوايا السيئة لما وُجدت هذه المشقّة العظيمة التي عاناها العلماء.