الصفحة 46 من 166

وقد حاولتْ بعض الفِرق الإسلامية والطوائف أن تُضعِّف هذا العلم، فالشيعة لا قيمة للسند عندهم، وكل الكتب التي تبحث في قضية السند عند الشيعة هي فقط محاولة لمحاكاة العلم عند أهل السنة والجماعة؛ ولذلك عامّة الكتب التي فيها أحاديث الأئمة عند الشيعة لا ينظرون للسند بعين الاعتبار عند دراستها.

تميز هذه الأمة بعلم أصول الفقه:

فإذا كان علم الحديث يشترك في مبدئه غيرنا، فعلم أصول الفقه خاص بنا، وهو علم لا يمكن أن تسرِقه أمّة من الأمم. علم الحديث هو علم عقليّ رياضيّ؛ يعني أن تُقارن بين راوٍ وراوٍ، أن تكتشف أن هذا كاذب وهذا صادق، فقد تشترك أمّة من الأمم معنا في قواعده وضوابطه، ولكن علم أصول الفقه في هذه الأمّة لا يُمكن أن يُسرق ولا يُمكن أن يُجَيَّر ولا يمكن يُنقل إلى بيئة أخرى.

والسّبب هو أن المصدر الأول من مصادر أصول الفقه هو اللغة العربية، فالذي أنشأ أصول الفقه هي اللغة العربية، وقواعد اللغة العربية لا توجد أبدًا في اللّغات الأخرى، قد تشترك في بعض أمورها لكن ليس في أسس الخطاب.

فلو ضربنا مثالًا في قضية"دلالة اللفظ على مراد المتكلِّم"، نحن نعرف أن اللغة العربية واسعة أكثر من غيرها في تحديد مراتب اللفظ على مراد المتكلم: هل هذا الكلام الذي يقوله المتكلم دالّ على مراد المتكلم بطريقة النّص؟ أم أننا يمكن أن نفهم الكلام تَبعًا للدلالة الظّاهرة البَّينة، فنبتعد مع اللفظة إلى داخل أعماقها لنستخرج منها حكمًا؟ فهل نستطيع أن نقول أن هذه المراتب نفسها موجودة في داخل لغة أخرى؟ هذا واحد.

الشيء الثاني، أنّ قوة الدَّلالة إذا تعارضت، كأنْ يقول الرجل كلامًا اليوم فيُجْمِله، ثم يأتي بعد ذلك فيُفصّله في مرتبة أخرى، وقد يظهر التّفصيل معارضًا لما أجمله قبل ذلك؛ هل صحيح في لغة القوم أن دلالة الخاصّ أقوى من دلالة العام؟ هذه ميزة من ميزات اللغة العربية.

إذن علم أصول الفقه هو علم خاصّ بهذه اللغة، وأنا لا أريد أن أقول الآن أن اللغة العربية أفضل من غيرها، ولكني أقول أنه مع أنه يُمكن للُّغات الأخرى أن ينشأ فيها أصول لفهم كلام المتكلِّم، ولكن أصول الفقه -باعتبار المصدر الثّاني من مصادرها، وهو اعتبار سلطة المتكلم- غير واضحة عندهم.

فأصول الفقه عندنا يبحث في الكتاب والسنة، ودور العبد، دور الإنسان، ودور المسلم مع هذا الكلام هو دور المتعبِّد، وهذا المعنى غير واضح في علومهم وكلامهم وحديثهم. ويتجلى هذا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت