الصفحة 47 من 166

اضطراب التّشريعات من عصر إلى عصر التي تنشأ بينهم، والتي سببها أن هذا كانت سلطته ثم ذهب، فكلامه لم يَعُد له وزن، والسُّلطة الأخرى؛ هل هي بمستوى الأول أم هناك من هو مشارك لها؟ هل هي منفردة كما كانت الأولى؟ أم أنّ هناك من هو مُعقِّب عليها من سلطات أخرى؟ كمجلس كونغرس وراء مجلس شيوخ، وهكذا.

فسلطة الخطاب مهمة جدًا في إصباغ النفس البشرية حين ورود الكلام عليها، فعندما يقرأ المرء كتاب الله -عز وجل-؛ لو أن هذا الكلام مع كل عظمته صدر من مُتكلِّم عادي -وحاشا أن يصدر هذا الكلام من متكلم عادي-، هل يكون وَقْعه على النّفوس كوقعه مع علمه أن الله هو المتكلم به؟ قطعًا مُختلف.

والمقصود من الكلام هو تحقيق المراد، والكلام الذي تكلم الله -عز وجل- به معنا القصد به والمراد منه هو تحقيق العبوديّة وإخضاع النفس.

من هنا، فعلم أصول الفقه هو علم خاصّ لهذه الأمة، وكل الدّساتير والقوانين تحاول أن تجعل مُذكِّرة تفسيريّة لكلامهم، مُذكرة للتّعارض، مذكرة لكذا، مذكرة لكذا، وفي كل يوم يَتخبطَّون في هذا، ويُحاولون أن يُوجِدوا مرجعية لتفسير النص، وهي مضطربة غير واضحة، ولذلك يجعلون للقضاء عندهم سلطة كبيرة جدًا؛ ويجعلون وجهة نظر القاضي في فهم النص أعلى من غيرها، ولا يوجد مستند يتخاصم إليه الخصوم في حل هذه المشكلة.

فتثبيت النص هي عملية مُشكلة وصعبة، وليست بالسّهولة التي يُمارسها بعض دارسي الحديث، حين يظنون أنه بمجرّد مراجعة الرجل في (التّقريب) أنّه ضعيف أو صحيح فقد حُلّت مشكلة الحديث وتثبّتنا منه، قد يُمارَس هذا مع الأحاديث غير المتعارضة، الأحاديث غير المعلولة، الأحاديث التي تلقّتها الأمة بالقبول، أو تلقتها بالرّفض، فهذا يحل المشكلة؛ ولكن عندما تنشأ مشكلة في الحديث فهذا باب أعظم.

ودور علم الأصول هو كذلك أن يصبغ النفس البشريّة بالتّحليل الصحيح؛ حتى تفهم الشّيء على ما هو عليه، ومن هنا الإمام أحمد -عليه رحمة الله- قال:"أكثر ما يَدخُل الفساد في الناس، في التأويل والقياس"، طبعًا هو لا يتكلم عن قضية ثبوتيّة النص؛ لأن هذه المرحلة مستقرّة في داخل المجتمع الإسلامي، وعلم الحديث ليس علمًا خرج من طبقة العلماء ودخل في الأمة، بل هو علم قرآني كانت الأمة تعيش فيه، وهو شيء مُمارَس في داخل طبقات الناس، وجاء العلماء ليَقتنصوا هذه الحركات في داخل الناس، وكان دورهم هو اقتناص الفكرة الشّاردة التي تسير في الناس، فيُقَنِّنها العالِم ويُنمّيها، وبعد ذلك يدرأ عنها التّعارض، ويُزيل منها الشوائب، فتخرج كقاعدة سليمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت