وكما أن علم الحديث هو علم المجتمع وعلم الحياة، وقد جاء العلماء وأخذوه، فكذلك علم أصول الفقه هو عقلية كانت منتشرة عند العرب؛ فالعربي كان يعرف أصول الفقه ويعرف الكلام لأنه عربي، والميزان الذي في داخله هو ميزان اللغة، واللغة لها سَطوة على نفسه من خلالها يتحرّك.
وهنا بُعد مهم جدًا وهو:
سُلطة البيان: لماذا سقطت قيمة الكلمة في حياتنا؟
ألا ترون احتقار واستهزاء الناس بالخطاب المفَوَّه؟! ألا ترون في وسائل الإعلام حين يأتي واحد مُهرِّج، فيخطُب بلغة عربية فصحى فيكون مدعاة للسخرية عند السامعين، أو يأتي واحد ويقول بيت شعر على طريقة الاستهزاء، فيستهزئ الناس، تصوّر أن شخصًا هجا آخر الآن في هذا الوقت، وهجاه بما هجا به الأوائل، هل تُحدِث نفس الأثر؟
إذن؛ فقدت الأمّة الإحساس بسلطة عظيمة، وهي سلطة البيان، التي هي أول منّة مَنَّ الله -عز وجل- بها على الإنسان، وإذا جئنا إلى تفسيرات المناطقة للإنسان، قالوا:"الإنسان: حيوان ناطق"، إذن هو تميّز عن بقية المخلوقات التي فيها الحياة بأنه ينطق، وعملية النطق عملية مُعقّدة، ليست فقط إجراء الهواء في جوف الإنسان فتخرج هذه الكلمات.
والعربي كانت سلطة البيان لديه أعظم سلطة، حتى أن أبا الطيب المتنبي قال:"إلى متى أُعطيهم القصائد -كلمات- ترفعهم إلى أبد الدّهر، ويجزوني بقليل المال؟"، رأى أنّه لا يوجد شيء أعظم من أن يقول فيهم شعرًا، والمال هو أحقر شيء ليس له قيمة، إلى متى؟!
والله -عز وجل- لما أراد أن يُخضع العربي إلى عبوديته أنزل بيانًا، وذلّت له عنق العربي حتى الكافر -يعني سَلَّم-، وامتنع أن يُنزل عليهم آيات كونية فتظلّ أعناقهم لها خاضعين، بل أنزل سلطة أعظم من هذا كله وهي الخطاب، التي خضعوا لها وأقرّوا لها، وهذا يدلّ على أن أعظم سلطة يجب أن نُنمّيها في النفوس هي"سلطة البيان".
وهناك احتقار عظيم حتى عند المتدينين لهذه السلطة! فيعتبرون أن استخدام الأسلوب البياني في تَعبيد النّاس لربهم، وفي ترغيبهم -الذي هو"علم المواعظ"-، يعتبرون أنه ينبغي أن يتأخر ليتقدّم الخطاب العلمي، الذي هو من خلال اللفظ العلمي ومن خلال المعادلة الرياضية، وهي تُنشئ علمًا، ولكن؛ هل تُخضع نفسًا؟ هل تُخضع نفس المتكلم الآخر؟