ما زال القرآن الكريم يُخضع المستمع يومًا بعد يوم، ولكنه فقد بسبب فَقدِنا لهذه السلطة وتراجعها في نفوسنا؛ والآن أصبحت الجهة العلميّة هي الأقوى في نفوسنا، وأثرها أقوى من الجهة البيانية.
فمِن مَهمَّات إحياء الأمّة وإعادتها إلى جادَّتها الصحيحة إحياء هذه السلطة، وإحياء العربيّ الذي يَخضع للكلمة ويهتم لها ويستشعر بها، علينا أن نُعيد النّبضات الفطريّة في داخل الإنسان لتأثُّره بالكلمة، وهي موجودة في داخل الإنسان ولكن عوامل إضعاف الكلمة في أمتنا، وتقدُّم سلطات المال والشهوات والرغبات أرجعت هذه السلطة إلى أماكن متأخرة.
فما دور هذا في أصول الفقه؟
لا يمكن لأصول الفقه أن تكون عقلية؛ لأننا قلنا أن أصول الفقه هي عقلية حياتية في داخل الإنسان، في رؤيته للأمور، ولا يمكن أن تعود إلى ما هو مطلوب إلا بإعادة اللغة وإعادة سلطة البيان. فالشافعي في (الرسالة) بمقدار ما تحدَّث عن القرآن والسنة كسلطة عند المؤمنين، بمقدار ما تحدّث عن اللغة العربية، وأدخل اللغة العربية كركن من أركان هذا الدين، وكلام ابن تيمية -رحمه الله- معروف:"أنّ مَنْ تَحدّث بغير العربية لغير حاجة دلالة من دلالات النفاق".
ولما قالوا:"الغناء يُنبت النفاق"، فكذلك اللغات الأعجميّة تُنبت النفاق؛ ليس لكونها في نفسها شر، ولكن لأنها تُضعف العلاقة مع الله، فالإنسان العربي كلّما صَفَت عربيَّته يكون أقرب من الله بتأثّره بكلامه وتعامل معه. أَمَا كان يكفي العربي أن يسمع آية فيخضع لها؟! يقول:"هذا الكلام لا يخرج إلا من إلّ"، فالعربي لم يحتج إلى دلائل كبيرة للوصول إلى أنّ هذا كلام إله وكلام عظيم.
ولذلك؛ إحياء اللغة العربية هو إحياء لأصول الفقه، وكلّما استعجم الرجل صار بعيدًا عن فهم الكتاب والسنة فيقع الخطأ، وهذا تجلية للكلمة التي قلناها عن الإمام الشافعي:"ما فسد النّاس ولا جَهِلوا إلا بتركهم لغة العرب وإقبالهم على لغة أرسطو-طاليس".
من الأمور التي تؤخذ على لغة أرسطو-طاليس:
هو أنه سُمّي منطقه بالمنطق"الصُّورِي"أو"الشَّكلي"، لماذا سُمّي المنطق الصُّورِي؟ لأن المنطق الأرُسطي لا يبحث في ماهية الشيء، فهو يبحث عن ظاهر الشيء ليُدخله في جنسه، فلما قال مثلًا:"الإنسان حيوان ناطق"، هل دخل في ماهية الإنسان؟ هل دخل في كونه صاحب عقل؟ هل دخل في كونه له مشاعر؟ هل عرّفنا بماهية الإنسان؟