ومن هنا المنطق الأرسطي منطق يبحث في صورة الشيء ولا يدخل في حقيقته، فهو يتعامل أشبه ما يكون مع أرقام، ومن أعظم مصائبه أنه لا يجعل تفاعلًا بينك وبين المتحدَّث عنه، فهو يعرّفك بشيء، ولكن ما هي درجة العلاقة بينك وبينه؟ أين دور العواطف بينك وبينه؟ لو قلت لك"عشرة"ماذا صنعت لديك؟ لم تصنع لديك إلا معلومة، ومن هنا لا يمكن أن يكون المنطق الصوري حديث عن قضية المشاعر، ولا يمكن في النهاية أن يكون حديثًا عن العبوديّة، بخلاف اللغة العربية.
ولم يتكلم على هذه النقطة أحد، إلا ما أشار إليه شيخ الإسلام في (الرد على المنطقيين) ، أن هناك طرقًا للعلوم غير التّعلُّم، وهي التّعبُّد؛ يعني أن العبادة طريقة من طرق التّعلُّم، بمعنى أن النفس الصافية في عبوديتها وقربها من ربها تكون أقرب لتلقي العلوم من النفس البعيدة بمعاصيها وإن كانت أصفى في ذهنها.
ولكن شيخ الإسلام -عليه رحمة الله- لم يتحدث -ولا غيره- عن هذه النقطة التي أتحدّث بها، وهي أن لغة العلوم الأخرى من الرّياضيّات -وأساسها المنطق الصُّوري- لا تتحدث عن العلاقة بين المعلومة ونفس المتكلِّم، بخلاف اللغة العربية؛ لما يقوم الخطيب من أهل اللغة ويُحرّض، فمن أجل بيت شعر يذهب أشخاص ويُقتلون ويموتون! إذن هي حرّكت لديهم المشاعر.
ومن هنا قالوا"البلاغة"، ما هي البلاغة؟ أنه بلغ المتكلِّم من نفس السّامع مراده؛ إذا قصد أنه يموت فيموت، إذا قصد أنه يتصدّق فيتصدّق، إذا قصد أن يصير شجاعًا صار شجاعًا، فيبلغ مراد المتكلم، ولا تصلح اللغة الرياضية ولا المنطق الصوري لهذه القصة.
دخول المنطق لأصول الفقه أنتج علومًا لا قيمة لها:
لمّا دخل المنطق الصوري في داخل أصول الفقه، أنشأ علومًا لا قيمة لها، وأنشأ مشاكل ومسائل لا أهمية لها، وانشغل الأصوليين بحلّها والإجابة عنها دون أن تُنشئ علمًا. والعلم في شريعتنا هو الذي يُنشئ عملًا، ومن هنا كانت دعوة الإمام الشاطبي في مقدماته الرائعة في (الموفقات) إلى تجريد أصول الفقه مما علق فيه من مسائل لا قيمة لها في علم الأصول؛ لأن قصد علم الأصول أن تفهم عن ربك: إما أن تفهم منه خبرًا صحيحًا، وإما أن تفهم منه حكمًا فتزداد تقرّبًا إلى الله؛ أما العلوم ومعارف التي لا قيمة لها، ولا تُنشئ لديك تعبدًا، فلا ينبغي لها أن تدخل في أصول الدين ولا في أصول الفقه.
ومن أمثلة ما خاضوا فيه: