الصفحة 51 من 166

هل شُكر المُنعم عقلًا أم شرعًا؟ هل العلم ضروري أم مُكتسب؟ ماذا تَزيدني هذه؟! ومشاكل أخرى تشغل حيزًا واسعًا في مُقدِّمات علم أصول الفقه، وهي لا تُنشئ تعبُّدًا.

ومن هنا علم أصول الفقه لا يمكن أن يعود لبهجته ولصورته الحقيقية حتى يعود الإحساس باللغة؛ لأن التعامل مع النص ينبغي أن يكون أولًا من جهة التفاعل؛ والمقصود من التفاعل مع النص هو: التفاعل التعبدي، والدخول في لُبّ الشيء هو الذي يصنع التفاعل، وهذا لا يمكن أن يكون حتى تنجلي اللغة العربية في نفوسنا. أما الأرقام المجرّدة والبحث فقط في ظواهر الأشياء، لا تصنع عواطفا ولا مشاعرا ولا تفاعلا، وبالتالي لا تصنع تَعبُّدًا.

أرأيتم لمّا اقتصر تعريف الشيء وإدراكه على صورته الظاهرة كيف عرّفوا لنا بحدودهم المنطقيّة الصلاة؟! فلم يدخل فيها قطّ موضوع الخشوع! والقرآن الكريم إنّما تحدّث عن الصلاة بهذا البُعد؛ أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، فأين الحديث عن

الصلاة بهذا المعنى؟ نجده في القرآن والسنة، لكن لما تُرجم الفقه ورُتّب بالمنطق الصوري؛ ماذا عرّف"الصلاة"؟ قالوا: هي ركوع ثم سجود، مُفتتحة بكذا، مُختتمة بكذا، وهذا أعطاني البُعد الظاهري فقط، أعطاني الرقم الذي فيها؛ أما الأمور الداخلية، فهذه لا وجود لها!

التلاعب بأصول الفقه هو الموصل للعبث بأحكام الشريعة

فعلم أصول الفقه أهميته أنه يُنشئ لديك التحليل الصحيح للخبر، ويوصلك إلى المراد بأقرب الطرق، وأنتم ترون أنه لا يمكن لأحد أن يتلعّب بدين الله إلا إذا تلعّب بأصول الفقه، فيصبح سهلًا لديه أن يخرج بأحكام جديدة.

وكما رأينا في موضوع الصراع بين الرأي والحديث، فإنه ما من رجل يريد أن يُدخِل أو أن يُخرِج حديثًا إلا ويضع له قانونًا لماذا أخرجه، فالتّشهي سهلٌ كَشْفُه، ولكن التشهي من أجل أن يمر؛ ينبغي أن يتستر بستار القاعدة العلمية، هذا معروف.

الآن؛ كيف يُقدِّم المرء أولًا مقدّمات لنفسه ليُرضيها، وثانيًا للخصم من أجل أن يُقنعه أن ما قاله سليم ولا شيء فيه؟

لا بد أن يضع قاعدة، ومن هنا كان أهل الرأي على الدوام بكل مراتبهم ينشؤون قواعد، وقد أوصلتهم في بعض الأحيان إلى الزّندقة، كالذين أنشؤوا بابًا من أبواب الشّريعة سمّوه"الحِيَل"، أو بابًا من أبواب الزّندقة وهو"تجميع سقطات العلماء"ليتم التّعبد بها، أو بابًا من أبواب الرأي وهو"إبطال بعض الأحكام الشرعية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت