الصفحة 52 من 166

إذن فالعبث بأصول الفقه يكون هو أول خطوة من أجل معالجة الشريعة معالجةً باطلة؛ لأن التأويل هو إصابة مراد المتكلِّم، ويجب حتى تتأوّل الكلام تأوّلًا صحيحًا أن تُدخله في القاعدة الصحيحة، فإذا أدخلته على القاعدة الخطأ خرجت بالنتيجة الخاطئة.

فدخول المناهج الباطلة في أصول الفقه، أدى إلى فهم خاطئ للشريعة؛ لأن أصول الفقه النتيجة، ما هي؟ دعك من قضية حال المستفيد، ودعك من المباحث الأخرى، أصول الفقه هي القواعد التي تمكِّنك من فهم دين الله -عز وجل؛ فإذا أخذت الكتاب والسنة وعالجتَه بعيدًا عن كونه:"ربًّا يأمُر وعبدًا يَمتثل"، ماذا يتخرّج في النتائج؟!

لذلك؛ أول قضية عالجها الزّنادقة الجُدُد هي أنهم حاولوا جاهدين أن يُثبتوا أنّ النّبوة هي إفراز الواقع، وأن القرآن هو إفراز الواقع؛ بمعنى أن الواقع هو الذي أفرز هذه الأحكام، وهي نتيجة توصل إلى إبطال الشريعة، أو تحويلها.

مثل لما كتب زكي بدوي مقالًا له وسماه:"إدخال علم النفس في فهم الشريعة"! -وهذه كلمة رُبّما تلقّاها جهلًا، لأني أستبعد أن واحدًا أزهريًا يفهم هذا الكلام، لكن هم يجلسون مع الزّنادقة فيتلقّون كلامهم-. علم النفس هي كلمة -لو فكر فيها- لا تدلّ على شيء محدد، ولكن الأغلب في علم النفس هذه الأيام يقوم على التّبرير؛ فعلم النفس ما دوره؟ علم النفس -إذا أخذناه في بعض جوانبه- هو علمٌ يقوم على تفسير الحدث الذي يمارسه الإنسان، ثم بعد ذلك يقوم بعملية المعالجة: لماذا تمّ الحدث، وكيف يعالجه؟ أما الآن فعلم النفس يقوم بعملية تبرير الحدث: لماذا قام؟ فبدل أن يفسّر الحدث قام بتبريره.

والآن أغلب ما يفسّرون به الحدث هو البيئة الاجتماعية والحالة الاقتصادية، إذن في نهاية الأمر يريدون إسقاط قاعدة العقوبة الشرعية عن الجاني، باعتبار أن الذي قام به قام به أسيرًا لواقعه تحت نظرية"جعلوني مجرمًا"؛ يعني: أنا ما أجرمت من نفسي ولكن هم الذين جعلوني مجرمًا. تصوَّر أن تدخل هذه في علم الأصول، وقبل أن تُطبّق الحكم الشرعي عليك أن تدرس نفسيّة فاعله، لماذا قام به؟!

طبعًا؛ عند الشارع لا قيمة لكل هذا الكلام، القيمة في قضية العقل والإدراك، يعني عندما زنى الزاني مثلًا؛ هل هو عاقل أم مجنون؟ فلا تهم الحيثيات وهذه الأمور التي إذا وقعت تُسهِّل وقوع المعاصي. وهذا علم ربانيّ، والإنسان عليه أن يرتدع، كما أن إيمانه بالموضوع هو دافعٌ للقيام به، كذلك رغبته في تحصيل شهوته أو القوة الموجودة في داخله لتحصيل هذا الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت