وهنا نقطة للأسف موجودة حتى عند المشايخ وفي نفوسهم، وهي قولهم أن الشّرع لا يَحمل تكليفًا، فيعطون الفتاوى التي فيها كما يقولون"تيسير"، أي دفع المشقّة، وقد قال الشاطبي أن من أصول الفقه:"أنْ تفهم أنّ الشرع تكليف، وأنّ فيه تحصيل المشقّة".
فالشريعة جاءت بإخراج الإنسان من داعية هواه وشهوته إلى عبوديته لرب العالمين، وهو ضبط شهوته ولَجْمُها، وفَتْحُها في جوانبها الشرعية، وضبطها عن الجوانب الأخرى، وكل هذا تكليف ومشقة، ثم يأتي الجهاد مثلًا، وترك المحرمات، وترك الرِّبا، وترك الاختلاط بالأجنبيات والخلوة بهن، وكل الأوامر. فمثل هذا الشيخ يُفتي وهو يبحث:"كيف هو لا يتكلَّف"، وهذه نقطة مهمة في المفتي، أول ما يأتي السائل فهو يُقدِّم شكواه وهو صاحب هوى، وصدق ابن عمر عندما قال للسائل:"إنما تريدون أن تجعلوا ظهورنا جسرًا إلى جهنم"؛ فيريد الفتوى التي تليق به وتسهّل له مراده، وكأنَّ سؤاله هو البحث عن مُسقط للتكليف ليمارس هواه باسم الدين، فإذا كان المفتي يفهم أصول الفقه فدوره هو أن يُنفّذ أمر الله الذي يحصل به التكليف، وفَهْمه لدين الله في هذه النقطة يجعله يقدّم الفتوى الصحيحة ويحصل بالتأكيد المشقة لدى السامع، فيقول له: لا تزني، لا تشرب الخمر، لا تَتعرّى، لا تُجالس إلّا مؤمن، لا يأكل طعامك إلا تقي، أي أن عليه أن يقدّم له الشريعة على أساس أنّها تكليف.
فإذا دخلت قاعدة"إسقاط التكليف"، ويكون دور الشريعة هو"تحصيل المنافع"التي بها تبطل تكاليف الشريعة، تكون النتيجة هي الخروج بأحكام جديدة؛ ولهذا الإمام الشافعي قبل أن يقول:"من استحسن فقد شرّع"، قال:"إنّما الاستحسان هو التَّشهّي"، والتشهي مأخوذة من الشهوة، وهي مُعارضة تمامًا للشرع؛ فلما هؤلاء يستحسنون فقد حكموا بالشهوة التي لا تلتقي مع الشريعة في شيء. فأنْ يدخل هذا العلم وهو"الشّهوة"إلى داخل أصول الفقه، هو إدخالٌ لأصول الفقه ما ليس منه.
محاولة تغيير أصول الفقه
ومن هنا كانت مهمة غير محترمة، وهي محاولة المحاولين في تغيير أصول الفقه من أجل الوصول إلى نتائج جديدة في الشريعة، التعامل مع الشريعة على اعتبار قاعدة"ما هو أدنى".
عبد الوهاب الشّعراني مثلًا -الذي اسمه الكبريت الأحمر، شيخ من مشايخ الصوفية معروف بفساده- له كتاب اسمه (الميزان الكبرى) ، وضع مسألة في الأصول ما زال أثرها إلى اليوم مُفسدًا، يقول:"أن خلاف الفقهاء هو خلاف بين درجات التعبد"،-وهذه الغالبة الآن على المُفتين-. الحديث يقول أن الخلاف بين الفقهاء في ما هو متعارض خلافٌ بين الصحيح والخطأ،