الصفحة 54 من 166

فيما هو متعارض وليس فيما هو من باب خلاف التنوع، هكذا يقول الحبيب: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر) ، فهناك خطأ وهناك صواب.

وهذا المسلك مَبْعثه في زمانهم غير مبعثه اليوم، ولكن التقوا في النتيجة؛ مَبْعث الشعراني هو احترام العلماء، للرد على القول أن المذاهب الأربعة ليست أديان مختلفة لكنها أنهارٌ نبعت من مصدر واحد، كما قال البوصيري:

وكلُّهم من رسول الله مُلتمس غرفًا من البحر أو رَشفًا من الدِّيم.

أما المعاصرون؛ فسببهم واضح وهو الهوى، أو كما قال الشافعي: هو التشهي، وهو إبطال الحكم الشرعي باسم الحكم الشرعي.

يقول عبد الوهاب الشعراني في (الميزان) :"أنّ خلاف الفقهاء بين مُحلِّل ومُحرِّم ومن جعله مكروها"، قال:"هذه الفتاوى كلها صحيحة"؛ القول بأنها حرام صحيح، والقول بأنه مكروه صحيح، والقول بأنها حلال صحيح، لكن القول بأنها حرام هي درجة المتعبِّدين أصحاب التقوى والورع، ودرجة المكروه درجة الأدنى منهم مرتبة، ودرجة الحلال درجة عوّام الناس الذين يسعهم أن يفعلوا أي شيء. إذن جعل خلاف الفقهاء وما وقعوا فيه هو درجات تعبُّد متساوية، طبعًا احترم العلماء ودمّر الشريعة!

جعل للرجل جواز أن يأخذ من خلاف الفقهاء ما بدا له، وأرجَع الاختيار له في أن يكون من المقرَّبين أو المُقتصِدين أو الأبرار!! وهذه عقلية في الأصول، ففرق أن تأتي إلى اختلاف العلماء بعقلية اختيار أن واحد هو الصواب والباقي خاطئ، فتستفرغ وسعك في إصابة الصواب والابتعاد عن الخطأ، مع درجة التعبد وهي أنك تحمل التكليف، وأنك عبد لله، وبين أن تأتي لخلاف الفقهاء مع ترك الاختيار للمرتبة التي تريد!

لما جاء القرضاوي مثلًا ووجد أن الناس لا يريدون أبرار ولا مقربين ولا هذه المراتب، بل يكفيهم أن يكونوا مسلمين، المهم أن لا يكفروا، ووجد أنهم قبلوا بأدنى درجة، وهو كفقيه قبل منهم أيضًا أدنى درجة من درجات التعبُّد؛ قدم لهم المرتبة الثالثة ورأى أنه يقدم بهذا حكمًا شرعيًا صحيحًا. هذه المسألة من مسائل الأصول إذا دخلت كقاعدة في قضية حل المشاكل بين العلماء وتفسير خلاف العلماء في مسائل الفقه أنشأت هذا الانحراف الكبير الذي ترونه!

الآن صورة أخرى، عامة أقوال الفقهاء على خلاف ما يقول به الأحناف، وهم يعترفون أن أصول الفقه عندهم هي:"تخريج الأصول على الفروع"؛ يعني هم نظروا إلى إمامهم نظرةَ أنّه أصاب مراد الرّب، فاستنتجوا أصول الفقه من أقواله، وهي طريقة أقررناها في فهم الصحابة، وأن فهمنا للحكم الشرعي من خلال كلامهم تمككننا من استنتاج الأصول التي انبنى عليها هذا الحكم، وهي طريقة صحيحة؛ لكن أن تُمارس عند رجل يُصيب ويُخطئ، ومن أدلة خطئه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت