اضطرابه وتردُّده، وهو ليس نشازًا عن بقية العلماء، فأبو يوسف يقول:"ما من قول قُلتُه على خلاف ما قاله أبو حنيفة إلا وقد قاله أبو حنيفة"؛ ألم يقولوا:"أبو يوسف ومحمد -عليهما رحمة الله- خالفا أبا حنيفة في ثلثي المذهب"، وأبو يوسف يقول: هذا الذي خالفته هي أقوال قالها أبو حنيفة ثم رجع عنها، وبعدها استقرّ الأمر، فهذا يدل على أنه هو يُقرّ أنه بشر ويريد أن يستفرغ وسعه في إصابة الحق. فأنْ تؤخذ هذه الأقوال ويستنبط منها أصول الفقه؛ هذا انحراف كبير!
إذن ما دور أصول الفقه عند الأحناف؟ دوره تبريري لما يقوله الإمام، ونحن قلنا عن أصول الفقه أنها:
-أولًا ضابط في التعامل مع النص.
-ثانيًا هي مستند لحلِّ الخصومات بين الفقهاء.
فعندما ينشأ اختلاف بين حنفي وشافعي في مسألة، ألا تلاحظون أن الأحناف في هذه المسألة كالدور؟ أخرجوا لنا قاعدة أصولية من فقه أبي حنيفة، وهي في نهاية الأمر قاعدة لفض الخصومة بين قول أبي حنيفة وقول غيره، والأصل أن تكون القاعدة الأصولية خارجة عنهما لإثبات صحة القول، وألَّا تكن فرعًا لما قاله الإمام!
إذن دور أصول الفقه عندهم هو إسباغ العلمية والصواب والصحة على ما قاله إمامهم! وهذه طريقة غير صحيحة، ولا تَفُضّ الخصومة، ولا توحِّد، ولا تُوصِل إلى المطلوب، هي عرَّفتنا كيف فهم الإمام، ولكن ما عرَّفتنا كيف نفهم أن الإمام أصاب أو أخطأ، فالإمام قد يفهم صحيحًا وقد يفهم خطئًا، وهي لم تُرجِعنا لمستند صحيح لمعرفة كيف أخطأ الإمام.
دور أصول الفقه
إذن أصول الفقه هي ضابط، قوة، ينبغي ألا تُمسّ، يجب أن نستثمرها، وأن نتعامل بها، ونذهب بها بعيدًا، ولكن ينبغي أن تبقى مُتّصلة بالقواعد التي قالها الأئمة. وقلنا أنه لا يمكن أن تُثمر أصول الفقه إثمارًا حقيقيًا إلّا بأن يصبح لدى المسلم في هذا الزمان الإحساس باللغة.
ونحن رأينا في الواقع أنه لا يمكن لرجل أن يكون عالمًا بدين الله وأعجميًّا، وليس هذا معنى النسب ولا النسل، رأينا أن أئمة الدين والعلم أصولهم أعجمية ولكن انسلخوا من طريقة التفكير الأعجمية، ودخلوا في دين الله -عز وجل- ودخلوا باللغة العربية فصاروا عربًا يحسّون بها، ويتعاملون بها، يتفاعلون معها تفاعل العربي، وصاروا أئمةً للدين، وصدق معاوية عندما قال:"والله أيّها العرب إن قعدتم عن الدين، لَغَيركم عنه أقعد"، وما من بدعة ظهرت إلا والعجميّة