الصدق. وقد رأينا أن أحمد أتعبه الناس هو ويحيى من روايته لعفّان بن مسلم، إمام أهل بغداد الذي كان فيه تشيُّع، ومن الفضل بن دُكين.
وكان الحنابلة يَعيبون عليه ويَنقمون عليه أنّه يطلب الحديث عند الشافعية، وأهل الحديث أكثر ما يكونون على مدار التاريخ عند الشافعية، وإنما الحنابلة يتستّرون بهم، ولكن لوجود الخصومة الكبيرة التي نشأت بسبب الاعتقاد من انحراف الشافعية إلى مذهب المتكلمين، وبقاء الحنابلة على مذهب أحمد، مع وجود زَعَارة أجمع عليها المؤرخّون عند الحنابلة، كانوا يَعيبون عليه؛ فقال لهم:"لا أريد مذهبكم، سلام عليكم، أنا صرت شافعي"، وفي الحقيقة هو ليس شافعيا ولا حنبليا، هو من أهل الحديث، وكل المذاهب تُنازع في أهل الحديث كالبخاري ومسلم؛ فالشافعية يقولون منا، والحنابلة يقولون منا، والمالكية كذلك، وفي الحقيقة هؤلاء ليسوا بشافعية ولا حنابلة، هذه المذهبية بدعة لم يكن عليها مُحدِّث قط، وإن انتسب إليها حينًا فهو للعُرف الجاري في الناس، ولكنّهم في إفتائهم وأقضيتهم ومسائلهم كانوا على مذهب أهل الحديث، يقضون بما صحّ عندهم من الحديث؛ لذلك لما رأى البغدادي نسبته للحنابلة تضُرّ بعلمه، ورآهم يريدون أن يُقيّدوا الأخذ من الشافعية مع أنهم أكثر رواية قال أنهم لم يعد منهم.
وهنا أريد أن أذكّركم بشيء؛ الحنابلة مع جلالتهم في طهارتهم من بدع المبتدعة في مسائل العقيدة، لكن لم يبرز منهم أهل حديث كما برز عند الشافعية، مع أخذهم بمذهب البيهقي -إمام ملأ الدنيا بالحديث-، حتى قالوا:"الشافعي له يد على كل أحد إلا البيهقي فله يد على الشافعي"، ومع ذلك البيهقي عنده ما عنده. فالحنابلة عليهم بعض الضعف، والأخذ بالرواية الضعيفة، وعدم تمييزهم، وهذا يظهر في كتب أهل السنة، وقد شكا منه بعض أهل العلم، كما رأينا ابن تيمية بنفسه يقول:"أن بعض أهل الحديث -أهل السنة- أكثروا من رواية الحديث الضعيف وجعلوها ميزانًا"؛ كما ذكرنا في حديث إقعاد النبي -صلى الله عليه وسلم- على العرش، وحديث (صورته) ، وهو يشكل إلى يومنا هذا مشكلة.
نعود ونقول: أن الخطيب البغدادي كان حنبليًا ثم قال أنه أصبح شافعيا، وقلنا أنه ليس بحنبلي ولا شافعي، إنما هو على مذهب أهل الحديث، هذا واحد.
الشيء الثاني: أن الباطنيّة قد كثروا في عصره -القرن الخامس- وكانت لهم صولة وجولة، وفي هذا الوقت كان للحشّاشين حوادث الاغتيال. والغزالي كتب كتابه (المنقذ من الضلال) وذكر ما يعيشه أهل عصره من مذاهب وفِرَق، وكان هنالك صراع بين أهل السنة والشيعة، حتى أن البساسيري وهو قائد من قوّاد بني بُوَيْه، وبنو بُوَيْه هم شيعة روافض، ودولتهم هي الدولة التي كُتبت فيها كتب التاريخ التي تُسيء إلى الصحابة، فالبساسيري دخل بغداد وخطب للخليفة الفاطمي فهرب الخطيب البغدادي من بغداد إلى دمشق، ومع ذلك لم يرضه أهل دمشق؛ لأنّه إذا