الصفحة 67 من 166

مضطربة، لذلك جاء الشافعي وبيّن أنه لا اضطراب، -إذا طالت هذه الدورة سنبينها إن شاء الله، بنماذج من كتاب (شرح مُشكل الآثار) للطّحاوي، و (تهذيب الآثار) للطّبري-.

فمن المشاكل العويصة في تاريخ الفقه الإسلامي أصولًا وممارسةً في استخراج الحكم الشرعي: التّعارض فيما يظهر للناظر من النصوص، هذه من المشاكل الكبيرة؛ فأهل الرأي كانوا يتّهمون أهل الحديث بوجود التعارض، وأنّ هؤلاء لا عقل لهم، يُفتون بالشيء وبضده، فجاء الشافعي وبيَّن"تساوق وتماهي"هذا مع هذا، وعدم الاضطراب، هذا معنى"قفلًا"، وإلا ما من مسألة قال بها الشافعي إلا وله فيها إمام قد سبقه فيها.

ويقول كذلك أحمد:"كانت أَقضيتُنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة لا تنفع، حتى رأينا الشافعي، فكان أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولا يشبع صاحب الحديث من كتب الشافعي"، ما يهمُّنا في الأول:"كانت أقضيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة لا تنفع"؛ كانوا هم الذين يأخذونها ويتحرّكون فيها نقدًا لها، من غير أن نستطيع أن نُنازعهم فيها وأن نناظرهم فيها؛ فنزَعها منهم وأخذها منهم وأعادها إلى أصحابها.

إذن فضل الشافعي لم يكن في الأصول مقتصرًا على وضع القواعد، بل كذلك في دراسة النص لإعطائه البُعد الذي زعم الآخر أنه مفقود منه، فاضطر إلى بديل وهو الإكثار من الرأي والقياس. وقد ردّ عليهم قياسهم بما يقولون، وبالطريقة التي يُثبتون، وأعاد للتّعارض لُحمته واتّساقه ووضوحه وانسجامه.

الآن؛ ما هي المشكلة التي نشأت في زمن الخطيب؟

يشكو الخطيب في رسالته (النصيحة إلى أهل الحديث) -وهي جزء من كتابه (الفقيه والمتفقه) المطبوعة في المجلد الثاني- من مشكلة تتكرر على مر الدهور والعصور.

صاحب الرأي رجل متوسِّع في الأخذ بالرأي والقياس، هذا الشكل المتكرِّر يُنشئ لدى الحديثيّ حساسية من القول بالرأي والقياس، وهذا يؤدي به -إن لم يكن عالما- إلى أن يصبح في الشقّ الآخر -الذي ينفي القياس والرأي-. فنفس المشكلة التي كانت موجودة في عهد الخطيب وإن لم تكن بهذه الصورة الظاهرة من نفي القياس والرأي، فنشأ عند أهل الحديث جهل بما يروون، واستدللنا بهذا في

الدرس الأول على من قال: كيف يكون الرجل حديثيًا دون أن يكون فقيهًا؟ وهذا ممكن وموجود: (حامل فقه إلى من هو أفقه منه) .

وكان الخطيب البغدادي حنبليًا، والحديث -أقصد الرواية- ليس لها مذهب، فمنهج أهل الحديث هو:"عليه بِدعتُه ولنا صِدقُه"، فما دام الراوي صادقًا فلا يضرّني مذهبه، إنما الرواية هي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت