بنا -بحسب فهمه الخاص- إلى إلغاء الحكم الشرعي الثابت الذي لا يحقق المصلحة مقابل ما يرى العقلاء بنص جديد أو بحكم جديد يحقق المصلحة، هذا هو سبب الاهتمام بـ (الموافقات) . فالاهتمام بـ (الموافقات) لأبي إسحاق الشاطبي ليس جديدًا إذن، إنّما هو حيث طُبع الكتاب كان هذا هو المقصد منه، لكن كثرت الآن الدراسات على أبي إسحاق الشاطبي في مبحث المصلحة عنده.
أهمية (الموافقات)
بعد المقدمات -الرائعة والمليئة بالفوائد-؛ بحث أبو إسحاق الكتاب ومسائله، وبحث السنة ومسائلها، والقياس ومسائله، وبحث الإجماع ومسائله، وهكذا. وقد جرى في هذا على طريقة الأصوليين على أساس أن أصول الفقه هو البحث في الأدلة الإجمالية.
فالكتاب تكمن أهميته في أنه قدّم مقدمات رائعة في أصول الفقه يحتاج إليها كل أصولي وكل فقيه، منها قوله أن:"هناك مباحث في أصول الفقه أُدخلت تَبَعًا وهي أجنبية عليه وليست من أصله"، وهذه مسألة كبيرة، وهي رد على الغزالي -وهو ينتقد الغزالي كثيرًا- وعلى من أدخل ما يسمى"علم أصول الدين"-الذي هو عندهم"علم الكلام ومسائله"- وجعلها من مباحث أصول الفقه.
تكلّم كذلك عن قضية ميزان الشريعة وأنها جاءت للتيسير، وهذه من قواعد الشريعة، ولكنه مع قوله بالتيسير قال أنها جاءت لإخراج العبد من داعية هواه إلى عبوديته لرب العالمين. فالتيسير ليس معناه فقط هو سقوط التكليف كما يفهمونه الآن!
والأئمة في هذه المباحث كلامهم واضح بالنسبة لنا، ولكن الجهل في زماننا فيمن يأخذ هذا الكلام من غير النظر إليه باعتباره كُلًا واحدًا، أو في من يحتقره بالكلية ولا يرى له قيمة: من يحتقر أن الشريعة جاءت بالتيسير ولا يهتمّ لها، من لا يهتم بقوله بأن الشريعة جاءت للمصلحة ولا يهتم لها، فنحن أمام من يوسِّع خارج النطاق ومن يُضيّق.
إذن مباحث (الموافقات) التي سنتطرق لها هي المقدمات لما فيها من أهمية وقيمة، وسنقرأ كذلك كلامه في المصلحة لنردّ على الذين يزعمون أن المصلحة معناها هو التشهي، كما قال الشافعي:"الاستحسان هو التّشهي"، وسنرى أن المصلحة في عُرف هؤلاء هي الشّهوة التي ذمّها أبو إسحاق الشاطبي، وترتيب المصالح بالنسبة للشاطبي هو التّرتيب الشرعي الصحيح الذي لا يوافق عليه أتباع القول بالمصلحة المفتوحة من غير ضوابط في زماننا هذا. فلو نظرنا مثلًا إلى تحقيق مصلحة الدين؛ فالشاطبي يرى أن الدين هو الكُليّة الأولى التي يجب أن تفنى بقية الكليات وتكون في خدمتها، بخلاف ما نراه الآن من أصحاب فتح باب المصلحة بهذه الطريقة!