الصفحة 82 من 166

لا بد من إحضار نص آخر أو دليل آخر أقوى منه، والقاعدة التي يُبطل بها الناس الأحكام الشرعية هي أن:"الأحكام الشرعية لا تُحقّق المصلحة"، وهذه طريقة قديمة.

وأنتم تعرفون الخصومة لمَّا جاء الحكام وفرضوا باب السياسة وفصلوه عن الفقه وجعلوه شيئا مغايرًا، وبهذا أبطلوا كثيرًا من الأحكام أو زادوا عليها تحت باب السياسة، فقالوا مثلًا: نحن نجلد هذا مائة جلدة فقهًا ونقتل سياسةً، وهكذا.

كذلك؛ فالدولة أو السُّلطة تتخلف عن تطبيق الحكم الشرعي بحجة تطبيق المصلحة، والمصلحة هي التي جاءت الشريعة بتحقيقها فحيث اكتشفنا المصلحة ينبغي أن نُلغي النص الثابت في المصلحة المتغيرة! ولن يَعدموا وجود القواعد في كلام الأئمة، ومنها ما تكلمنا عنه في الدرس الفائت عن كلام ابن القيم:"حيثما كانت المصلحة فثمّ شرع الله"، فأصبح هذا النص يُستخدم من قِبَل أيّ مُشرِّع في إفراز تشريعات مخالفة للكتاب والسنة بحُجّة تطبيقها للمصلحة، كذلك إسقاط الجهاد بحجة تطبيق المصلحة، صلح مع الكفار بحجة تطبيق المصلحة، الاستعانة بالكفار بحجة تحصيل المصلحة، وهكذا.

وكلام الطوفي في الحقيقة منطقيّ في عصره؛ هو يقول أن:"المصلحة تُلغي النص وأن المصلحة تُلغي الإجماع"، ومنطق الطوفي في هذه المسألة منطق صحيح؛ لأن النصوص تتعارض، والمصلحة أيضًا الذي قرّرها هو النص عندما قال -عليه الصلاة والسلام-: (لا ضرر ولا ضرار) ، فلو رجعنا الآن لتفسير الضرر، هل هو تفسير يرجع إلى التشهي -الذي هو الاستحسان-؟ أم أنّ الشّريعة هي التي تُقرر الضرر ومراتب الضرر ومراتب الأحكام؟

فإذن لما الطوفي يقول:"أن المصلحة تُلغي الإجماع"؛ ليس هذا بمعنى المصلحة التي يقولونها وهي الاستحسان، إنّما المصلحة التي جاء بها النص بقوله: (لا ضرر ولا ضرار) ، وهذا حديث عام يجوز لأي أحد أن يستشهد به لدفع الحكم الشرعي لأنه يحقق الضرر، ولكن الضرر المقصود هو الذي قبلته الشريعة ولم تلغه. فهنالك أضرار ومفاسد ملغاة وهناك مفاسد معتبرة، ومصالح مُلغاة ومصالح مُعتبرة، فالشريعة ألغت مصالح كثيرة لم تُقم لها شأنًا، -وهذه قواعد سنأتي إليها إن شاء الله-.

سبب انتشار (الموافقات)

أنتم تعرفون أن محمد عبده كان يميل لمثل هذا الاتجاه العقلي، فكان لا بد من مستندات في هذا الباب. من خلال البحث؛ وجدوا أن أكثر من يتحدّث عن المصلحة في هذا الباب هو أبو إسحاق الشاطبي في (الموافقات) ، ولذلك قام محمد عبده بالاهتمام شخصيًا بمتابعة طباعة (الموافقات) للشاطبي؛ لأنه في ظنه يحقق له المراد في بيان أن الشريعة مرتكزة على المصلحة، وهذا يؤدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت