فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 6606

كل ما سوى الله تعالى بأنه عدم محض ونفي صرف كما قال تعالى كل شيء هالك إلا وجهه القصص 88 وهذان المقامان في الفناء عن كل ما سوى الله مقامان في غاية الجلال ولا يحصلان إلا عند مواظبة العبد على أن يذكر الله بقوله يا هو والفائدة الثالثة أن العبد متى ذكر الله بشيء من صفاته لم يكن مستغرقا في معرفة الله تعالى لأنه إذا قال يا رحمن فحينئذ يتذكر رحمته فيميل طبعه إلى طلبها فيكون طالبا للحصة وكذلك إذا قال يا كريم يا محسن يا غفار يا وهاب يا فتاح وإذا قال يا ملك فحينئذ يتذكر ملكه وملكوته وما فيه من أقسام النعم فيميل طبعه إليه فيطلب شيئا منها وقس عليه سائر الأسماء أما إذا قال يا هو فإنه يعرف أنه هو وهذا الذكر لا يدل على شيء غيره البتة فحينئذ يحصل في قلبه نور ذكره ولا يتكدر ذلك النور بالظلمة المتولدة عن ذكر غير الله وهناك يحصل في قلبه النور التام والكشف الكامل والفائدة الرابعة أن جميع الصفات المعلومة عند الخلق إما صفات الجلال وإما صفات الإكرام أما صفات الجلال فهي قولنا ليس بجسم ولا بجوهر ولا عرض ولا في المكان ولا في المحل وهذا فيه دقيقة لأن من خاطب السلطان فقال أنت لست أعمى ولست أصم ولست كذا ولا كذا ويعد أنواع المعايب والنقصانات فإنه يستوجب الزجر والحجر والتأديب ويقال إن مخاطبته بنفي هذه الأشياء عنه إساءة في الأدب وأما صفات الإكرام فهي كونه خالقا للمخلوقات مرتبا لها على النظم الأكمل وهذا أيضا فيه دقيقة من وجهين الأول لا شك أن كمال الخالق أعلى وأجل من كمال المخلوق بمراتب لا نهاية لها فإذا شرحنا نعوت كمال الله وصفات جلاله بكونه خالقا لهذه المخلوقات فقد جعلنا كمال هذه المخلوقات كالشرح والبيان لكمال جلال الخالق وذلك يقتضي تعريف الكامل المتعالي بطريق في غاية الخسة والدناءة وذلك سوء أدب والثاني أن الرجل إذا أخذ يمدح السلطان القاهر بأنه أعطى الفقير الفلاني كسرة خبز أو قطرة ماء فإنه يستوجب الزجر والحجر ومعلوم أن نسبة جميع عالم المخلوقات من العرش إلى آخر الخلاء الذي لا نهاية له إلى ما في خزائن قدرة الله أقل من نسبة كسرة الخبز وقطرة الماء إلى جميع خزائن الدنيا فإذا كان ذلك سوء أدب فهذا أولى أن يكون سوء أدب فثبت أن مدح الله وثناءه بالطريقين المذكورين فيه هذه الاعتراضات إلا أن ههنا سببا يرخص في ذكر هذه المدائح وهو أن النفس صارت مستغرقة في عالم الحس والخيال فالإنسان إذا أراد جذبها إلى عتبة عالم القدس احتاج إلى أن ينبهها على كمال الحضرة المقدسة ولا سبيل له إلى معرفة كمال الله وجلاله إلا بهذين الطريقين أعني ذكر صفات الجلال وصفات الإكرام فيواظب على هذين النوعين حتى تعرض النفس عن عالم الحس وتألف الوقوف على عتبة القدس فإذا حصلت هذه الحالة فعند ذلك يتنبه لما في ذينك النوعين من الذكر من الاعتراضات المذكورة وعند ذلك يترك تلك الأذكار ويقول يا هو كأن العبد يقول أجل حضرتك أن أمدحك وأثني عليك بسلب نقائص المخلوقات عنك أو بإسناد كمالات المخلوقات إليك فإن كمالك أعلى وجلالك أعظم بل لا أمدحك ولا أثني عليك إلا بهويتك من حيث هي ولا أخاطبك أيضا بلفظة أنت لأن تلك اللفظة تفيد التيه والكبر حيث تقول الروح إني قد بلغت مبلغا صرت كالحاضر في حضرة واجب الوجود ولكني لا أزيد على قولي هو ليكون إقرارا بأنه هو الممدوح لذاته بذاته ويكون إقرارا بأن حضرته أعلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت