فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 6606

وسيأتي شرح هذه المعاني بالاستقصاء فلما كان المقصد الأعظم من القرآن هذه المطالب الأربعة وكانت هذه السورة مشتملة عليها لقبت بأم القرآن السبب الثاني لهذا الاسم أن حاصل جميع الكتب الإلهية يرجع إلى أمور ثلاثة إما الثناء على الله باللسان وإما الاشتغال بالخدمة والطاعة وإما طلب المكاشفات والمشاهدات فقوله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين كله ثناء على الله وقوله إياك نعبد وإياك نستعين اشتغال بالخدمة والعبودية إلا أن الابتداء وقع بقوله إياك نعبد وهو إشارة إلى الجد والاجتهاد في العبودية ثم قال وإياك نستعين وهو إشارة إلى اعتراف العبد بالعجز والذلة والمسكنة والرجوع إلى الله وأما قوله اهدنا الصراط المستقيم فهو طلب للمكاشفات والمشاهدات وأنواع الهدايات السبب الثالث لتسمية هذه السورة بأم الكتاب أن المقصود من جميع العلوم إما معرفة عزة الربوبية أو معرفة ذلة العبودية فقوله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين يدل على أنه هو الإله المستولي على كل أحوال الدنيا والآخرة ثم من قوله إياك نعبد وإياك نستعين إلى آخر السورة يدل على ذل العبودية فإنه يدل على أن العبد لا يتم له شيء من الأعمال الظاهرة ولا من المكاشفات الباطنة إلا بإعانة الله تعالى وهدايته السبب الرابع أن العلوم البشرية إما علم ذات الله وصفاته وأفعاله وهو علم الأصول وإما علم أحكام الله تعالى وتكاليفه وهو علم الفروع وإما علم تصفية الباطن وظهور الأنوار الروحانية والمكاشفات الإلهية والمقصود من القرآن بيان هذه الأنواع الثلاثة وهذه السورة الكريمة مشتملة على تقرير هذه المطالب الثلاثة على أكمل الوجوه فقوله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إشارة إلى علم الأصول لأن الدال على وجوده وجود مخلوقاته فقوله رب العالمين يجري مجرى الإشارة إلى أنه لا سبيل إلى معرفة وجوده إلا بكونه ربا للعالمين وقوله الحمد لله إشارة إلى كونه مستحقا للحمد ولا يكون مستحقا للحمد إلا إذا كان قادرا على كل الممكنات عالما بكل المعلومات ثم وصفه بنهاية الرحمة - وهو كونه رحمانا رحيما - ثم وصفه بكمال القدرة - وهو قوله مالك يوم الدين - حيث لا يهمل أمر المظلومين بل يستوفي حقوقهم من الظالمين وعند هذا تم الكلام في معرفة الذات والصفات وهو علم الأصول ثم شرع بعده في تقرير علم الفروع وهو الاشتغال بالخدمة والعبودية وهو قول إياك نعبد ثم مزجه أيضا بعلم الأصول مرة أخرى وهو أن أداء وظائف العبودية لا يكمل إلا بإعانة الربوبية ثم شرع بعده في بيان درجات المكاشفات وهي على كثرتها محصورة في أمور ثلاثة أولها حصول هداية النور في القلب وهو المراد من قوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم وثانيها أن يتجلى له درجات الأبرار المطهرين من الذين أنعم الله عليهم بالجلايا القدسية والجواذب الإلهية حتى تصير تلك الأرواح القدسية كالمرايا المجلوة فينعكس الشعاع من كل واحدة منها إلى الأخرى وهو قوله صراط الذين أنعمت عليهم وثالثها أن تبقى مصونة معصومة عن أوضار الشهوات وهو قوله غير المغضوب عليهم وعن أوزار الشبهات وهو قوله ولا الضالين فثبت أن هذه السورة مشتملة على هذه الأسرار العالية التي هي أشرف المطالب فلهذا السبب سميت بأم الكتاب كما أن الدماغ يسمى أم الرأس لاشتماله على جميع الحواس والمنافع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت