فهرس الكتاب
ملومًا وأما إذا واظب على القراءة لكنه بعد ذلك نسي فههنا يكون معذورًا فثبت أن النسيان على قسمين منه ما يكون معذورًا ومنه ما لا يكون معذورًا وروي أنه ( صلى الله عليه وسلم ) كان إذا أراد أن يذكر حاجته شد خيطًا في أصبعه فثبت بما ذكرنا أن الناسي قد لا يكون معذورًا وذلك ما إذا ترك التحفظ وأعرض عن أسباب التذكر وإذا كان كذلك صح طلب غفرانه بالدعاء
الوجه الثاني في الجواب أن يكون هذا دعاء على سبيل التقدير وذلك لأن هؤلاء المؤمنين الذين ذكروا هذا الدعاء كانوا متقين لله حق تقاته فما كان يصدر عنهم ما لا ينبغي إلا على وجه النسيان والخطأ فكان وصفهم بالدعاء بذلك إشعارًا ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به كأن قيل إن كان النسيان مما تجوز المؤاخذة به فلا تؤاخذنا به
الوجه الثالث في الجواب أن المقصود من الدعاء إظهار التضرع إلى الله تعالى لا طلب الفعل ولذلك فإن الداعي كثيرًا ما يدعو بما يقطع بأن الله تعالى يفعله سواء دعا أو لم يدع قال الله تعالى قَالَ رَبّ احْكُم بِالْحَقّ ( الأنبياء 112 ) وقال رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَة ِ ( آل عمران 194 ) وقالت الملائكة في دعائهم فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ ( غافر 7 ) فكذا في هذه الآية العلم بأن النسيان مغفور لا يمنع من حسن طلبه في الدعاء
الوجه الرابع في الجواب أن مؤاخذة الناسي غير ممتنعة عقلًا وذلك لأن الإنسان إذا علم أنه بعد النسيان يكون مؤاخذًا فإنه بخوف المؤاخذة يستديم الذكر فحينئذ لا يصدر عنه إلا أن استدامة ذلك التذكر فعل شاق على النفس فلما كان ذلك جائزًا في العقول لا جرم حسن طلب المغفرة منه بالدعاء
الوجه الخامس أن أصحابنا الذين يجوزون تكليف ما لا يطاق يتمسكون بهذه الآية فقالوا الناسي غير قادر على الاحتراز عن الفعل فلولا أنه جائز عقلًا من الله تعالى أن يعاقب عليه لما طلب بالدعاء ترك المؤاخذة عليه
والقول الثاني في تفسير النسيان أن يحمل على الترك قال الله تعالى فَنَسِى َ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ( طه 115 ) وقال تعالى نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ( التوبة 67 ) أي تركوا العمل لله فتركهم ويقول الرجل لصاحبه لا تنسني من عطيتك أي لا تتركني فالمراد بهذا النسيان أن يترك الفعل لتأويل فاسد والمراد بالخطأ أن يفعل الفعل لتأويل فاسد
المسألة الثالثة علم أن النسيان والخطأ المذكورين في هذه الآية إما أن يكونا مفسرين بتفسير ينبغي فيه القصد إلى فعل ما لا ينبغي أو يكون أحدهما كذلك دون الآخر فأما الاحتمال الأول فإنه يدل على حصول العفو لأصحاب الكبائر لأن العمد إلى المعصية لما كان حاصلًا في النسيان وفي الخطأ ثم إنه تعالى أمر المسلمين أن يدعوه بقولهم لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا فكان ذلك أمرًا من الله تعالى لهم بأن يطلبوا من الله أن لا يعذبهم على المعاصي ولما أمرهم بطلب ذلك دلّ على أنه يعطيهم هذا المطلوب وذلك يدل على حصول العفو لأصحاب الكبائر وأما القسم الثاني والثالث فباطلان لأن المؤاخذة على ذلك قبيحة عند الخصم وما يقبح فعله من الله يمتنع أن يطلب بالدعاء