فهرس الكتاب

الصفحة 1362 من 6606

على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح لأن كل من عرف شيئًا على سبيل التفصيل فإنه لا بد وأن يؤمن به إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل القطعية أن الله تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها وعلموا أن القرآن كلام الله تعالى وعلموا أنه لا يتكلم بالباطل والعبث فإذا سمعوا آية ودلّت الدلائل القطعية على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراد الله تعالى بل مراده منه غير ذلك الظاهر ثم فوضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه وقطعوا بأن ذلك المعنى أي شيء كان فهو الحق والصواب فهؤلاء هم الراسخون في العلم بالله حيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر ولا عدم علمهم بالمراد على التعيين عن الإيمان بالله والجزم بصحة القرآن

الحجة الرابعة لو كان قوله وَالرسِخُونَ فِي الْعِلْمِ معطوفًا على قوله إِلاَّ اللَّهُ لصار قوله يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ ابتداء وأنه بعيد عن ذوق الفصاحة بل كان الأولى أن يقال وهم يقولون آمنا به أو يقال ويقولون آمنا به

فإن قيل في تصحيحه وجهان الأول أن قوله يَقُولُونَ كلام مبتدأ والتقدير هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به والثاني أن يكون يَقُولُونَ حالا من الراسخين

قلنا أما الأول فمدفوع لأن تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى الاضمار أولى من تفسيره بما يحتاج معه إلى الاضمار والثاني أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره وههنا قد تقدم ذكر الله تعالى وذكر الراسخين في العلم فوجب أن يجعل قوله يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ حالا من الراسخين لا من الله تعالى فيكون ذلك تركًا للظاهر فثبت أن ذلك المذهب لا يتم إلا بالعدول عن الظاهر ومذهبنا لا يحتاج إليه فكان هذا القول أولى

الحج الخامسة قوله تعالى كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا يعني أنهم آمنوا بما عرفوه على التفصيل وبما لم يعرفوا تفصيله وتأويله فلو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل لم يبق لهذا الكلام فائدة

الحجة السادسة نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال تفسير القرآن على أربعة أوجه تفسير لا يسع أحدًا جهله وتفسير تعرفه العرب بألسنتها وتفسير تعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى

وسئل مالك بن أنس رحمه الله عن الاستواء فقال الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عند بدعة وقد ذكرنا بعض هذه المسألة في أول سورة البقرة فإذا ضم ما ذكرناه ههنا إلى ما ذكرنا هناك تم الكلام في هذه المسألة وبالله التوفيق

ثم قال تعالى وَالرسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وفيه مسائل

المسألة الأولى الرسوخ في اللغة الثبوت في الشيء

واعلم أن الراسخ في العلم هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية فإذا رأى شيئًا متشابهًا ودل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى علم حينئذ قطعًا أن مراد الله شيء آخر سوى ما دلّ عليه ظاهره وأن ذلك المراد حق ولا يصير كون ظاهره مردودًا شبهة في الطعن في صحة القرآن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت