فهرس الكتاب

الصفحة 2010 من 6606

قوله وَلامَنّيَنَّهُمْ وذلك لأن صاحب الأماني يشغل عقله وفكره في استخراج المعاني الدقيقة والحيل والوسائل اللطيفة في تحصيل المطالب الشهوانية والغضبية فهذا مرض روحاني من جنس التشوش وأما النقصان فالإشارة إليه بقوله وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الاْنْعَامِ وذلك لأن بتك الآذان نوع نقصان وهذا لأن الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف الحزم في طلب الآخرة وأما البطلان فالإشارة إليه بقوله وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وذلك لأن التغيير يوجب بطلان الصفة الحاصلة في المدة الأولى ومن المعلوم أن من بقي مواظبًا على طلب اللذات العاجلة معرضًا عن السعادات الروحانية فلا يزال يزيد في قلبه الرغبة في الدنيا والنفرة عن الآخرة ولا تزال تتزايد هذه الأحوال إلى أن يتغير القلب بالكلية فلا يخطر بباله ذكر الآخرة البتة ولا يزول عن خاطره حب الدنيا البتة فتكون حركته وسكونه وقوله وفعله لأجل الدنيا وذلك يوجب تغيير الخلقة لأن الأرواح البشرية إنما دخلت في هذا العالم الجسماني على سبيل السفر وهي متوجهة إلى عالم القيامة فإذا نسيت معادها وألفت هذه المحسوسات التي لا بدّ من انقضائها وفنائها كان هذا بالحقيقة تغييرًا للخلقة وهو كما قال تعالى وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ( الحشر 19 ) وقال فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الاْبْصَارُ وَلَاكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِى الصُّدُورِ ( الحج 46 )

واعلم أنه تعالى لما حكى عن الشيطان دعاويه في الاغواء والضلال حذر الناس عن متابعته فقال وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا واعلم أن أحدًا لا يختار أن يتخذ الشيطان وليًا من دون الله ولكن المعنى أنه إذا فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به صار كأنه اتخذ الشيطان وليًا لنفسه وترك ولاية الله تعالى وإنما قال خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا لأن طاعة الله تفيد المنافع العظيمة الدائمة الخالصة عن شوائب الضرر وطاعة الشيطان تفيد المنافع الثلاثة المنقطعة المشوبة بالغموم والأحزان والآلام الغالبة والجمع بينهما محال عقلًا فمن رغب في ولايته فقد فاته أشرف المطالب وأجلها بسبب أخس المطالب وأدونها ولا شك أن هذا هو الخسار المطلق

ثم قال تعالى يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا واعلم أنا بينا في الآية المتقدمة أن عمدة أمر الشيطان إنما هو بإلقاء الأماني في القلب وأما تبتيك الآذان وتغيير الخلقة فذاك من نتائج إلقاء الأماني في القلب ومن آثاره فلا جرم نبّه الله تعالى على ما هو العمدة في دفع تلك الأماني وهو أن تلك الأماني لا تفيد إلا الغرور والغرور هو أن يظن الأنسان بالشيء أنه نافع ولذيذ ثم يتبين اشتماله على أعظم الآلام والمضار وجميع أحوال الدنيا كذلك والعاقل يجب عليه أن لا يلتفت إلى شيء منها ومثال هذا أن الشيطان يلقي في قلب الإنسان أنه سيطول عمره وينال من الدنيا أمله ومقصوده ويستولي على أعدائه ويقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت له كما تيسرت لغيره إلا أن كل ذلك غرور فإنه ربما لم يطل عمره وإن طال فربما لم يجد مطلوبه وإن طال عمره ووجد مطلوبه على أحسن الوجوه فإنه لا بدّ وأن يكون عند الموت في أعظم أنواع الغم والحسرة فإن المطلوب كلما كان ألذ وأشهى وكان الألف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته أشد إيلامًا وأعظم تأثيرًا في حصول الغم والحسرة فظهر أن هذه الآية منبهة على ما هو العمدة والقاعدة في هذا الباب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت