فهرس الكتاب

الصفحة 2123 من 6606

أنفسهم فكيف يجوز هذا النقل عنهم

أجاب المفسرون عنه من وجوه الأول أن هذا من باب حذف المضاف والتقدير نحن أبناء رسل الله فأضيف إلى الله ما هو في الحقيقة مضاف إلى رسل الله ونظيره قوله إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ( الفتح 10 ) والثاني أن لفظ الابن كما يطلق على ابن الصلب فقد يطلق أيضًا على من يتخذ ابنًا واتخاذه ابنًا بمعنى تخصيصه بمزيد الشفقة والمحبة فالقوم لما ادعوا أن عناية الله بهم أشد وأكمل من عنايته بكل ما سواهم لا جرم عبر الله تعالى عن دعواهم كمال عناية الله بهم بأنهم ادعوا أنهم أبناء الله الثالث أن اليهود لما زعموا أن عزيرًا ابن الله والنصارى زعموا أن المسيح ابن الله ثم زعموا أن عزيرًا والمسيح كانا منهم صار ذلك كأنهم قالوا نحن أبناء الله ألا ترى أن أقارب الملك إذا فاخروا إنسانًا آخر فقد يقولون نحن ملوك الدنيا ونحن سلاطين العالم وغرضهم منه كونهم مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك والسلطان فكذا هاهنا والرابع قال ابن عباس إن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوفهم بعقاب الله تعالى فقالوا كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله وأحباؤه فهذه الرواية إنما وقعت عن تلك الطائفة وأما النصارى فإنهم يتلون في الإنجيل الذي لهم أن المسيح قال لهم اذهب إلى أبي وأبيكم وجملة الكلام أن اليهود والنصارى كانوا يرون لأنفسهم فضلًا على سائر الخلق بسبب أسلافهم الأفاضل من الأنبياء حتى انتهوا في تعظيم أنفسهم إلى أن قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه

ثم انه تعالى أبطل عليهم دعواهم وقال قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم وفيه سؤال وهو أن حاصل هذا الكلام أنهم لو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم لكنه عذبهم فهم ليسوا أبناء الله ولا أحباءه والاشكال عليه أن يقال إما أن تدعوا أن الله عذبهم في الدنيا أو تدعوا أنه سيعذبهم في الآخرة فإن كان موضع الالزام عذاب الدنيا فهذا لا يقدح في ادعائهم كونهم أحباء الله لأن محمدًا ( صلى الله عليه وسلم ) كان يدعي أنه هو وأمته أحباء الله ثم أنهم ما خلوا عن محن الدنيا انظروا إلى وقعة أحد وإلى قتل الحسن والحسين وإن كان موضع الالزام هو أنه تعالى سيعذبهم في الآخرة فالقوم ينكرون ذلك ومجرد إخبار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ليس بكاف في هذا الباب إذ لو كان كافيًا لكان مجرد إخباره بأنهم كذبوا في ادعائهم أنهم أحباء الله كافيًا وحينئذ يصير هذا الاستدلال ضائعًا

والجواب من وجوه الأول أن موضع الالزام هو عذا الدنيا والمعارضة بيوم أحد غير لازمة لأنه يقول لو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم الله في الدنيا ومحمد عليه الصلاة والسلام ادعى أنه من أحباء الله ولم يدع أنه من أبناء الله فزال السؤال الثاني أن موضع الالزام هو عذاب الآخرة واليهود والنصارى كانوا معترفين بعذاب الآخرة كما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَة ً ( البقرة 80 ) والثالث المراد بقوله قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم فلم مسخكم فالمعذب في الحقيقة اليهود الذين كانوا قبل اليهود المخاطبين بهذا الخطاب في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام إلاّ أنهم لما كانوا من جنيس أولئك المتقدمين حسنت هذه الإضافة وهذا الجواب أولى لأنه تعالى لم يكن ليأمر رسوله عليه الصلاة والسلام أن يحتج عليهم بشيء لم يدخل بعد في الوجود فإنهم يقولون لا نسلم أنه تعالى يعذبنا بل الأولى أن يحتج عليهم عليهم بشيء قد وجد وحصل حتى يكون الاستدلال به قويًا متينًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت