فهرس الكتاب
المسألة الأولى في أول الآية سؤال وهو أن المحاربة مع الله تعالى غير ممكنة فيجب حمله على المحاربة مع أولياء الله والمحاربة مع الرسل ممكنة فلفظة المحاربة إذا نسبت إلى الله تعالى كان مجازًا لأن المراد منه المحاربة مع أولياء الله وإذا نسبت إلى الرسول كانت حقيقة فلفظ يحاربون في قوله إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يلزم أن يكون محمولًا على المجاز والحقيقة معًا وذلك ممتنع فهذا تقرير السؤال
وجوابه من وجهين الأول أنا نحمل المحاربة على المخالفة الأمر والتكليف والتقدير إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله ويسعون في الأرض فسادًا كذا وكذا والثاني تقدير الكلام إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله تعالى وأولياء رسوله كذا وكذا وفي الخبر أن الله تعالى قال ( من أهان لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة )
المسألة الثانية من الناس من قال هذا الوعيد مختص بالكفار ومنهم من قال إنه في فساق المؤمنين أما الأولون فقد ذكروا وجوها الأول أنها نزلت في قوم من عرينة نزلوا المدينة مظهرين للإسلام فمرضت أبدانهم واصفرت ألوانهم فبعثهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى إبل الصدقة ليشربوا من أبوالها وألبانها فيصحوا فلما وصلوا إلى ذلك الموضع وشربوا وصحوا قتلوا الرعاة وساقوا الإبل وارتدوا فبعث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في أثرهم وإمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركوا هناك حتى ماتوا فنزلت هذه الآية نسخًا لما فعله الرسول فصارت تلك السنة مسنوخة بهذا القرآن وعند الشافعي رحمه الله لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقًا للسنة الناسخة والثاني أن الآية نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي وكان قد عاهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فمر قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب فقتلوهم وأخذوا أموالهم الثالث أن هذه الآية في هؤلاء الذين حكى الله تعالى عنهم من بني إسرائيل أنهم بعد أن غلظ الله عليهم عقاب القتل العمد العدوان فهم مسرفون في القتل مفسدون في الأرض فمن أتى منهم بالقتل والفساد في الأرض فجزاؤهم كذا وكذا
والوجه الرابع أن هذه الآية نزلت في قطاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء قالوا والذي يدل على أنه لا يجوز حمل الآية على المرتدين وجوه أحدها أن قطع المرتد لا يتوقف على المحاربة ولا على إظهار الفساد في دار الإسلام والآية تقتضي ذلك وثانيها لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد ولا على النفي والآية تقتضي ذلك وثالثها أن الآية تقتضي سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة وهو قوله إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ( المائدة 34 ) والمرتد يسقط حذه بالتوبة قبل القدرة وبعدها فدل ذلك على أن الآية لا تعلق لها بالمرتدين ورابعها أن الصلب غير مشروع في حق المرتد وهو مشروع هاهنا فوجب أن لا تكون الآية مختصة بالمرتد وخامسها أن قوله الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الاْرْضِ فَسَادًا يتناول كل من كان موصوفًا بهذه الصفة سواء كان كافرًا أو مسلمًا أقصى ما في الباب أن يقال الآية نزلت في الكفار لكنك تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
المسألة الثالثة المحاربون المذكورون في هذه الآية هم القوم الذين يجتمعون ولهلم منعة ممن أرادهم بسبب أنهم يحمي بعضهم بعضًا ويقصدون المسلمين في أرواحهم ودمائهم وإنما اعتبرنا القوة والشوكة لأن