فهرس الكتاب
فإن قيل كيف مدحهم الله تعالى بذلك مع قوله وَرَهْبَانِيَّة ً ابتَدَعُوهَا ( الحديد 27 ) وقوله عليه لصلاة والسلام ( لا رهبانية في الإسلام )
قلنا إن ذلك صار ممدوحًا في مقابلة طريقة اليهود في القساوة والغلظة ولا يلزم من هذا القدر كونه ممدوحًا على الإطلاق
وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ
ثم قال تعالى وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ الضمير في قوله سَمِعُواْ يرجع إلى القسيسين والرهبان الذين آمنوا منهم وَمَا أَنَزلَ يعني القرآن إلى الرسول يعني محمدًا عليه الصلاة والسلام قال ابن عباس يريد النجاشي وأصحابه وذلك لأن جعفر الطيار قرأ عليهم سورة مريم فأخذ النجاشي تبنة من الأرض وقال والله ما زاد على ما قال في الإنجيل مثل هذا وما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من لقراءة وأما قوله تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ففيه وجهان الأول المراد أن أعينهم تمتلىء من الدمع حتى تفيض لأن الفيض أن يمتلىء الإناء وغيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه الثاني أن يكون المراد المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها
وأما قوله تعالى مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقّ أي مما نزل على محمد وهو الحق
فإن قيل أي فرق بين ( من ) وبين ( من ) في قوله مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقّ
قلنا الأولى لابتداء الغاية والتقدير أن فيض الدمع إنما ابتدىء من معرفة الحق وكان من أجله وبسببه والثانية للتبغيض يعني أنهم عرفوا بعض الحق وهو القرآن فأبكاهم الله فكيف لو عرفوا كله
وأما قوله تعالى يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا أي بما سمعنا وشهدنا أنه حق فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وفيه وجهان الأول يريد أمة محمد عليه الصلاة والسلام الذين يشهدون بالحق وهو مأخوذ من قوله تعالى وَكَذالِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة ً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ( البقرة 143 ) والثاني أي مع كل من شهد من أنبيائك ومؤمني عبادك بأنك لا إله غيرك وأما قوله تعالى
وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ