فهرس الكتاب

الصفحة 2296 من 6606

وأقول ههنا دقيقة أخرى وهو أن الابتداء وقع بذكر المكان والمكانيات ثم ذكر عقيبه الزمان والزمانيات وذلك لأن المكان والمكانيات أقرب إلى العقول والأفكار من الزمان والزمانيات لدقائق مذكورة في العقليات الصرفة والتعليم الكامل هو الذي يبدأ فيه فالأظهر مترقيا إلى الأخفى فالأخفى فهذا ما يتعلق بوجه النظم

المسألة الثانية قوله وله ما سكن في الليل والنهار يفيد الحصر والتقدير هذه الأشياء له لا لغيره وهذا هو الحق لأن كل موجود إما واجب لذاته وإما ممكن لذاته فالواجب لذاته ليس إلا الواحد وما سوى ذلك الواحد ممكن والممكن لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته وكل ما حصل بإيجاده وتكوينه كان ملكا له فثبت أن ما سوى ذلك الموجود الواجب لذاته فهو ملكه ومالكه فلهذا السبب قال وله ما سكن في الليل والنهار

المسألة الثالثة في تفسير هذا السكون قولان الأول أن المراد منه الشيء الذي سكن بعد أن تحرك فعلى هذا المراد كل ما استقر في الليل والنهار من الدواب وجملة الحيوانات في البر والبحر وعلى هذا التقدير قالوا في الآية محذوف والتقدير وله ما سكن وتحرك في الليل والنهار كقوله تعالى سرابيل تقيكم الحر النحل 81 أراد الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر لأنه يعرف ذلك بالقرينة المذكورة كذلك هنا حذف ذكر الحركة لأن ذكر السكون يدل عليه

والقول الثاني أنه ليس المراد من هذا السكون ما هو ضد الحركة بل المراد منه السكون بمعنى الحلول كما يقال فلان يسكن بلد كذا إذا كان محله فيه ومنه قوله تعالى وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم إبراهيم 45 وعلى هذا التقدير كان المراد وله كل ما حصل في الليل والنهار والتقدير كل ما في الوقت والزمان سواء كان متحركا أو ساكنا وهذا التفسير أولى وأكمل والسبب فيه أن كل ما دخل تحت الليل والنهار حصل في الزمان فقد صدق عليه أن انقضى الماضي وسيجيء المستقبل وذلك مشعر بالتغير وهو الحدوث والحدوث ينافي الأزلية والدوام فكل ما مر به الوقت ودخل تحت الزمان فهو محدث وكل حادث فلا بد له من محدث وفاعل ذلك الفعل يجب أن يكون متقدما عليه والمتقدم على الزمان يجب أن يكون مقدما على الوقت والزمان فلا تجري عليه الأوقات ولا تمر به الساعات ولا يصدق عليه أن كان وسيكون

واعلم أنه تعالى لما بين فيما سبق أنه مالك للمكان وجملة المكانيات ومالك للزمان وجملة الزمانيات بين أنه سميع عليم يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين والمقصود منه الرد على من يقول الإله تعالى موجب بالذات فنبه على أنه وإن كان مالكا لكل المحدثات لكنه فاعل مختار يسمع ويرى ويعلم السر وأخفى ولما قرر هذه المعاني قال قل أغير الله أتخذ وليا

واعلم انه فرق بين أن يقال أغير الله أتخذ وليا وبين أن يقال أتخذ غير الله وليا لأن الانكار إنما حصل على اتخاذ غير الله وليا لا على اتخاذ الولي وقد عرفت أنهم يقدمون الأهم فالأهم الذي هم بشأنه أعني فكان قوله قل أغير الله أتخذ وليا أولى من العبارة الثانية ونظيره قوله تعالى أفغير الله تأمروني أعبد الزمر 64 وقوله تعالى الله أذن لكم يونس 59

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت