فهرس الكتاب
المسألة الأولى الْوَزْنَ مبتدأ و يَوْمَئِذٍ ظرف له و الْحَقّ خبر المبتدأ ويجوز أن يكون يَوْمَئِذٍ الخبر و الْحَقّ صفة للوزن أي والوزن الحق أي العدل يوم يسأل الله الأمم والرسل
المسألة الثانية في تفسير وزن الأعمال قولان الأول في الخبر أنه تعالى ينصب ميزانًا له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرها ثم قال ابن عباس أما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته فذلك قوله فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الناجون قال وهذا كما قال في سورة الأنبياء وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَة ِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ( الأنبياء 47 ) وأما كيفية وزن الأعمال على هذا القول ففيه وجوه أحدهما أن أعمال المؤمن تتصور بصورة حسنة وأعمال الكافر بصورة قبيحة فتوزن تلك الصورة كما ذكره ابن عباس والثاني أن الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها أعمال العباد مكتوبة وسئل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عما يوزن يوم القيامة فقال ( الصحف ) وهذا القول مذهب عامة المفسرين في هذه الآية وعن عبد لله بن سلام أن ميزان رب العالمين ينصب بين الجن والإنس يستقبل به العرش إحدى كفتي الميزان على الجنة والأخرى على جهنم ولو وضعت السموات والأرض في إحداهما لوسعتهن وجبريل آخذ بعموده ينظر إلى لسانه وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ( يأتى برجل يوم القيامة إلى الميزان ويؤتى له بتسعة وتسعين سجلًا كل سجل منها مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله يوضع في الأخرى فترجح ) وعن الحسن بينما الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ذات يوم واضع رأسه في حجر عائشة رضي الله عنها قد أغفى فسالت الدموع من عينها فقال ( ما أصابك ما أبكاك ) فقالت ذكرت حشر الناس وهل يذكر أحد أحدًا فقال لها ( يحشرون حفاة عراة غرلًا ) لِكُلّ امْرِىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ( عبس 37 ) لا يذكر أحد أحدًا عند الصحف وعند وزن الحسنات والسيئات وعن عبيد بن عمير يأتى بالرجل العظيم الأكول الشروب فلا يكون له وزن بعوضة
والقول الثاني وهو قول مجاهد والضحاك والأعمش أن المراد من الميزان العدل والقضاء وكثير من المتأخرين ذهبوا إلى هذا القول وقالوا حمل لفظ الوزن على هذا المعنى سائغ في اللغة والدليل عليه فوجب المصير إليه وأما بيان أن حمل لفظ الوزن على هذا المعنى جائز في اللغة فلأن العدل في الأخذ والإعطاء لا يظهر إلا بالكيل والوزن في الدنيا فلم يبعد جعل الوزن كناية عن العدل ومما يقوي ذلك أن الرجل إذا لم يكن له قدرة ولا قيمة عند غيره يقال إن فلانًا لا يقيم لفلان وزنًا قال تعالى فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة ِ وَزْنًا ( الكهف 105 ) ويقال أيضًا فلان استخف بفلان ويقال هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه أي يعادله ويساويه مع أنه ليس هناك وزن في الحقيقة قال الشاعر قد كنت قبل لقائكم ذا قوة
عندي لكل مخاصم ميزانه
أراد عندي لكل مخاصم كلام يعادل كلامه فجعل الوزن مثلًا للعدل
إذا ثبت هذا فنقول وجب أن يكون المراد من هذه الآية هذا المعنى فقط والدليل عليه أن الميزان إنما يراد ليتوصل به إلى معرفة مقدار الشيء ومقادير الثواب والعقاب لا يمكن إظهارها بالميزان لأن أعمال العباد أعراض وهي قد فنيت وعدمت ووزن المعدوم محال وأيضًا فبتقدير بقائها كان وزنها محالًا وأما