فهرس الكتاب

الصفحة 2597 من 6606

واعلم أن قوله وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ مطلق يتناول الأوقات والأحوال ويتناول جميع المطعومات والمشروبات فوجب أن يكون الأصل فيها هو الحل في كل الأوقات وفي كل المطعومات والمشروبات إلا ما خصه الدليل المنفصل والعقل أيضًا مؤكد له لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة

وأما قوله تعالى وَلاَ تُسْرِفُواْ ففيه قولان

القول الأول أن يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام ولا يكثر الإنفاق المستقبح ولا يتناول مقدارًا كثيرًا يضره ولا يحتاج إليه

والقول الثاني وهو قول أبي بكر الأصم أن المراد من الإسراف قولهم بتحريم البحيرة والسائبة فإنهم أخرجوها عن ملكهم وتركوا الانتفاع بها وأيضًا أنهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج أيضًا أشياء أحلها الله تعالى لهم وذلك إسراف

واعلم أن حمل لفظ الإسراف على الاستكثار مما لا ينبغي أولى من حمله على المنع من لا يجوز وينبغي

ثم قال تعالى إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ وهذا نهاية التهديد لأن كل ما لا يحبه الله تعالى بقي محرومًا عن الثواب لأن معنى محبة الله تعالى العبد أيصاله الثواب إليه فعدم هذه المحبة عبارة عن عدم حصول الثواب ومتى لم يحصل الثواب فقد حصل العقاب لانعقاد الإجماع على أنه ليس في الوجود مكلف لا يثاب ولا يعاقب

ثم قال تعالى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَة َ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ وفيه مسائل

المسألة الأولى أن هذه الآية ظاهرها استفهام إلا أن المراد منه تقرير الإنكار والمبالغة في تقرير ذلك الإنكار وفي الآية قولان

القول الأول أن المراد من الزينة في هذه الآية اللباس الذي تستر به العورة وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وكثير من المفسرين

والقول الثاني أنه يتناول جميع أنواع الزينة فيدخل تحت الزينة جميع أنواع التزيين ويدخل تحتها تنظيف البدن من جميع الوجوه ويدخل تحتها المركوب ويدخل تحتها أيضًا أنواع الحلي لأن كل ذلك زينة ولولا النص الوارد في تحريم الذهب والفضة والإبريسم على الرجال لكان ذلك داخلًا تحت هذا العموم ويدخل تحت الطيبات من الرزق كل ما يستلذ ويشتهي من أنواع المأكولات والمشروبات ويدخل أيضًا تحته التمتع بالنساء وبالطيب وروي عن عثمان بن مظعون أنه أتى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وقال غلبني حديث النفس عزمت على أن أختصي فقال ( مهلًا يا عثمان إن خصاء أمتي الصيام ) قال فإن نفسي تحدثني بالترهب قال ( إن ترهب أمتي القعود في المساجد لانتظار الصلاة فقال تحدثني نفسي بالسياحة ) فقال ( سياحة أمتي الغزو والحج والعمرة ) فقال إن نفسي تحدثني أن أخرج مما أملك فقال ( الأولى أن تكفي نفسك وعيالك وأن ترحم اليتيم والمسكين فتعطيه أفضل من ذلك ) فقال إن نفسي تحدثني أن أطلق خولة فقال ( إن الهجرة في أمتي هجرة ما حرم الله ) قال فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها قال ( إن المسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت