فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 6606

المسألة الأولى اعلم أنه لا شبهة في أن الخديعة مذمومة والمذموم يجب أن يميز من غيره لكي لا يفعل وأصل هذه اللفظة الإخفاء وسميت الخزانة المخدع والأخدعان عرقان في العنق لأنهما خفيان وقالوا خدع الضب خدعًا إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلًا وطريق خيدع وخداع إذا كان مخالفًا للمقصد بحيث لا يفطن له ومنه المخدع وأما حدها فهو إظهار ما يوهم السلامة والسداد وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير والتخلص منه فهو بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسنة وكل ذلك بخلاف ما يقتضيه الدين لأن الدين يوجب الاستقامة والعدولعن الغرور والإساءة كما يوجب المخالصة لله تعالى في العبادة ومن هذا الجنس وصفهم المرائي بأنه مدلس إذا أظهر خلاف مراده ومنه أخذ التدليس في الحديث لأن الراوي يوهم السماع ممن لم يسمع وإذا أعلن ذلك لا يقال إنه مدلس

المسألة الثانية وهي أنهم كيف خادعوا الله تعالى فلقائل أن يقول إن مخادعة الله تعالى ممتنعة من وجهين الأول أنه تعالى يعلم الضمائر والسرائر فلا يجوز أن يخادع لأن الذي فعلوه لو أظهروا أن الباطن بخلاف الظاهر لم يكن ذلك خداعًا فإذا كان الله تعالى لا يخفي عليه البواطن لم يصح أن يخادع الثاني أن المنافقين لم يعتقدوا أن الله بعث الرسول إليهم فلم يكن قصدهم في نافقهم مخادعة الله تعالى فثبت أنه لا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره بل لا بدّ من التأويل وهو من وجهين الأول أنه تعالى ذكر نفسه وأراد به رسولة على عادته في تفخيم وتعظيم شأنه قال إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ( الفتح 10 ) وقال في عكسه وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَى ْء فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ( الأنفال 41 ) أضاف السهم الذي يأخذه الرسول إلى نفسه فالمنافقون لما خادعوا الرسول قيل إنهم خادعوا الله تعالى الثاني أن يقال صورة حالهم مع الله حيث يظهرون الإيمان وهم كافرون صورة من يخادع وصورة صنيع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد الكفرة صورة صنيع الله معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم

المسألة الثالثة فهي في بيان الغرض من ذلك الخداع وفيه وجوه الأول أنهم ظنوا أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) والمؤمنين يجرونهم في التعظيم والإكرام مجرى سائر المؤمنين إذا أظهروا لهم الإيمان وإن أسروا خلافه فمقصودهم من الخداع هذا الثاني يجوز أن يكون مرادهم إفشاء النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إليهم أسراره وإفشاء المؤمنين أسرارهم فينقلونها إلى أعدائهم من الكفار الثالث أنهم دفعوا عن أنفسهم أحكام الكفار مثل القتل لقوله عليه الصلاة والسلام ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) الرابع أنهم كانوا يطمعون في أموال الغنائم فإن قيل فالله تعالى كان قادرًا على أن يوحي إلى محمد ( صلى الله عليه وسلم ) كيفية مكرهم وخداعهم فلم لم يفعل ذلك هتكًا لسترهم قلنا إنه تعالى قادر على استئصال إبليس وذريته ولكنه تعالى أبقاهم وقواهم إما لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد أو لحكمة لا يطلع عليها إلا هو فإن قيل هل للاقتصار بخادعت على واحد وجه صحيح قلنا قال صاحب ( الكشاف ) وجهه أن يقال عنى به فعلت إلا أنه أخرج في زنة فاعلت لأن الزنة في أصلها للمبالغة والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب لزيادة قوة الداعي إليه ويعضده قراءة أبي حيوة ( يخدعون الله ) ثم قال يُخَادِعُونَ بيانًا ليقول ويجوز أن يكون مستأنفًا كأنه قيل ولِمَ يدَّعون الإيمان كاذبين وما نفعهم فيه فقيل يُخَادِعُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت