فهرس الكتاب

الصفحة 2791 من 6606

وللموت تغدوا الوالدات سخالها

كما لخراب الدهر تبنى المساكن

وقال أموالنا لذوي الميراث نجمعها

ودورنا لخراب الدهر نبنيها

وقال له ملك ينادي كل يوم

لدوا للموت وابنو للخراب

وقال وأم سماك فلا تجزعي

فللموت ما تلد الوالدة

هذا منتهى كلام القوم في الجواب

واعلم أن المصير في التأويل إنما يحسن إذا ثبت بالدليل امتناع العقل حمل هذا اللفظ على ظاهره وأما لما ثبت بالدليل أنه لا حق إلا ما دل عليه ظاهر اللفظ كان المصير إلى التأويل في مثل هذا المقام عبثًا وأما الآيات التي تمسكوا بها في إثبات مذهب المعتزلة فهي معارضة بالبحار الزاخرة المملوءة من الآيات الدالة على مذهب أهل السنة ومن جملتها ما قبل هذه الآية وهو قوله مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِى وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( الأعراف 178 ) وهو صريح مذهبنا وما بعد هذه الآية وهو قوله وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ( الأعراف 182 183 ) ولما كان ما قبل هذه الآية وما بعدها ليس إلا ما يقوي قولنا ويشيد مذهبنا كان كلام المعتزلة في وجوب تأويل هذه الآية ضعيفًا جدًا

أما قوله تعالى لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا ففيه مسألتان

المسألة الأولى احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في خلق الأعمال فقالوا لا شك أن أولئك الكفار كانت لهم قلوب يفقهون بها مصالحهم المتعلقة بالدنيا ولا شك أنه كانت لهم أعين يبصرون بها المرئيات وآذان يسمعون بها الكلمات فوجب أن يكون المراد من هذه الآية تقييدها بما يرجع إلى الدين وهو أنهم ما كانوا يفقهون بقلوبهم ما يرجع إلى مصالح الدين وما كانوا يبصرون ويسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين

وإذا ثبت هذا فنقول ثبت أنه تعالى كلفهم بتحصيل الدين مع أن قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم ما كانت صالحة لذلك وهو يجري مجرى المنع عن الشيء والصد عنه مع الأمر به وذلك هو المطلوب قالت المعتزلة لو كانوا كذلك لقبح من الله تكليفهم لأن تكليف من لا قدرة له على العمل قبيح غير لائق بالحكيم فوجب حمل الآية على أن المراد منه أنهم بكثرة الإعراض عن الدلائل وعدم الالتفات إليها صاروا مشبهين بمن لا يكون له قلب فاهم ولا عين باصرة ولا أذن سامعة

والجواب أن الإنسان إذا تأكدت نفرته عن شيء صارت تلك النفرة المتأكدة الراسخة مانعة له عن فهم الكلام الدال على صحة الشيء ومانعة عن إبصار محاسنه وفضائله وهذه حالة وجدانية ضرورية يجدها كل عافل من نفسه ولهذا السبب قالوا في المثل المشهور حبك الشيء يعمي ويصم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت