فهرس الكتاب

الصفحة 2799 من 6606

وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّة ٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ

اعلم أنه تعالى لما قال وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الْجِنّ وَالإِنْسِ فأخبر أن كثيرًا من الثقلين مخلوقون للنار أتبعه بقوله وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّة ٌ يَهْدُونَ بِالْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ليبين أيضًا أن كثيرًا منهم مخلوقان للجنة واعلم أنه تعالى ذكر في قصة موسى قوله وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّة ٌ يَهْدُونَ بِالْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ فلما أعاد الله تعالى هذا الكلام ههنا حمله أكثر المفسرين على أن المراد منه قوم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) روى قتادة وابن جريج عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنها هذه الأمة وروى أيضًا أنه عليه الصلاة والسلام قال ( هذه فيهم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها ) وعن الربيع بن أنس أنه قال قرأ النبي ( صلى الله عليه وسلم ) هذه الآية فقال ( إن من أمتي قومًا على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم ) وقال ابن عباس يريد أمة محمد عليه الصلاة والسلام المهاجرين والأنصار قال الجبائي هذه الآية تدل على أنه لا يخلو زمان البتة عمن يقوم بالحق ويعمل به ويهدي إليه وأنهم لا يجتمعون في شيء من الأزمنة على الباطل لأنه لا يخلو إما أن يكون المراد زمان وجود محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وهو الزمان الذي نزلت فيه هذه الآية أو المراد أنه قد حصل زمان من الأزمنة حصل فيه قوم بالصفة المذكورة أو المراد ما ذكرنا أنه لا يخلو زمان من الأزمنة عن قوم موصوفين بهذه الصفة والأول باطل لأنه قد كان ظاهرًا لكل الناس أن محمدًا وأصحابه على الحق فحمل الآية على هذا المعنى يخرجه عن الفائدة والثاني باطل أيضًا لأن كل أحد يعلم بالضرورة أنه قد حصل زمان ما في الأزمنة الماضية حصل فيه جميع من المحقين فلم يبق إلا القسم الثالث وهو أدل على أنه ما خلا زمان عن قوم من المحقين وأن إجماعهم حجة وعلى هذا التقدير فهذا يدل على أن إجماع سائر الأمم حجة

وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِأايَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ

قوله تعالى وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ

اعلم أنه تعالى لما ذكر حال الأمة الهادية العادلة أعاد ذكر المكذبين بآيات الله تعالى وما عليهم من الوعيد فقال وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا وهذا يتناول جميع المكذبين وعن ابن عباس رضي الله عنهما المراد أهل مكة وهو بعيد لأن صفة العموم يتناول الكل إلا ما دل الدليل على خروجه منه

وأما قوله سَنَسْتَدْرِجُهُم فالاستدراج الاستفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه وأدرج الكتاب طواه شيئًا بعد شيء ودرج القوم مات بعضهم عقيب بعضهم ويحتمل أن يكون هذا اللفظ مأخوذ من الدرج وهو لف الشيء وطيه جزأ فجزأ

إذا عرفت هذا فالمعنى سنقربهم إلى ما يهلكهم ونضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون ما يراد بهم وذلك لأنهم كلما أتوا بجرم أو أقدموا على ذنب فتح الله عليهم بابًا من أبواب النعمة والخير في الدنيا فيزدادون بطرًا وانهماكًا في الفساد وتماديًا في الغي ويتدرجون في المعاصي بسبب ترادف تلك النعم ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت