فهرس الكتاب

الصفحة 2801 من 6606

وأنا شديد التعجب من هؤلاء المعتزلة فإنهم يرون القرآن كالبحر الذي لا ساحل له مملوأ من هذه الآيات والدلائل العقلية القاهرة القاطعة مطابقة لها ثم إنهم يكتفون في تأويلات هذه الآيات بهذه الوجوه الضعيفة والكلمات الواهية إلا أن علمي بأن ما أراده الله كائن يزيل هذا التعجب والله أعلم

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّة ٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ

واعلم أنه تعالى لما بالغ في تهديد المعرضين عن آياته الغافلين عن التأمل في دلائله وبيناته عاد إلى الجواب عن شبهاتهم فقال أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّة ٍ والتفكر طلب المعنى بالقلب وذلك لأن فكرة القلب هو المسمى بالنظر والتعقل في الشيء والتأمل فيه والتدبر له وكما أن الرؤية بالبصر حالة مخصوصة من الانكشاف والجلاء ولها مقدمة وهي تقليب الحدقة إلى جهة المرئي طلبًا لتحصيل تلك الرؤية بالبصر فكذلك الرؤية بالبصيرة وهي المسماة بالعلم واليقين حالة مخصوصة في الانكشاف والجلاء ولها مقدمة وهي تقليب حدقة العقل إلى الجوانب طلبًا لذلك الانكشاف والتجلي وذلك هو المسمى بنظر العقل وفكرته فقوله تعالى أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ أمر بالفكر والتأمل والتدبر والتروي لطلب معرفة الأشياء كما هي عرفانًا حقيقيًا تامًا وفي اللفظ محذوف والتقدير أولم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة والجنة حالة من الجنون كالجلسة والركبة ودخول ( من ) في قوله مّن جِنَّة ٍ يوجب أن لا يكون به نوع من أنواع الجنون

واعلم أن بعض الجهال من أهل مكة كانوا ينسبونه إلى الجنون لوجهين الأول أن فعله عليه السلام كان مخالفًا لفعلهم وذلك لأنه عليه السلام كان معرضًا عن الدنيا مقبلًا على الآخرة مشتغلًا بالدعوة إلى الله فكان العمل مخالفًا لطريقتهم فاعتقدوا فيه أنه مجنون قال الحسن وقتادة أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قام ليلًا على الصفا يدعو فخذًا فخذا من قريش فقال يا بني فلان يا بني فلان وكان يحذرهم بأس الله وعقابه فقال قائلهم إن صاحبكم هذا لمجنون واظب على الصياح طول هذه الليلة فأنزل الله تعالى هذه الآية وحثهم على التفكر في أمر الرسول عليه السلام ليعلموا أنه إنما دعا للإنذار لا لما نسبه إليه الجهال الثاني أنه عليه السلام كان يغشاه حالة عجيبة عند نزول الوحي فيتغير وجهه ويصفر لونه وتعرض له حالة شبيهة بالغشي فالجهال كانوا يقولون إنه جنون فالله تعالى بين في هذه الآية أنه ليس به نوع من أنواع الجنون وذلك لأنه عليه السلام كان يدعوهم إلى الله ويقيم الدلائل القاطعة والبينات الباهرة بألفاظ فصيحة بلغت في الفصاحة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضتها وكان حسن الخلق طيب العشرة مرضي الطريقة نقي السيرة مواطبًا على أعمال حسنة صار بسببها قدوة للعقلاء العالمين ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون وإذا ثبت هذا ظهر أن اجتهاده على الدعوة إلى الدين إنما كان لأنه نذير مبين أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين وترغيب المؤمنين ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعًا على تقرير دلائل التوحيد لا جرم ذكر عقيبه ما يدل على التوحيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت