فهرس الكتاب

الصفحة 2817 من 6606

بذلك النظر والرؤية فصاروا كأنهم عمي وهذه الآية تدل على أن النظر غير الرؤية لأنه تعالى أثبت النظر ونفي الرؤية وذلك يدل على التغاير وأجيب عن هذا الاستدلال فقيل معناه تحسبهم أنهم ينظرون إليك مع أنهم في الحقيقة لا ينظرون أي تظن أنهم ينظرونك مع أنهم لا يبصرونك والرؤية بمعنى الحسبان واردة قال تعالى وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى ( الحج 2 )

خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ الْجَاهِلِينَ

اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الله هو الذي يتولاه وأن الأصنام وعابديها لا يقدرون على الإيذاء والإضرار بين في هذه الآية ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في معاملة الناس فقال خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ قال أهل اللغة العفو الفضل وما أتي من غير كلفة

إذا عرفت هذا فنقول الحقوق التي تستوفى من الناس وتؤخذ منهم إما أن يجوز إدخال المساهلة والمسامحة فيها وإما أن لا يجوز

أما القسم الأول فهو المراد بقوله خُذِ الْعَفْوَ ويدخل فيه ترك التشدد في كل ما يتعلق بالحقوق المالية ويدخل فيه أيضًا التخلق مع الناس بالخلق الطيب وترك الغلظة والفظاظة كما قال تعالى وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ( آل عمران 159 ) ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف كما قال تعالى وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِى َ أَحْسَنُ ( النحل 125 )

وأما القسم الثاني وهو الذي لا يجوز دخول المساهلة والمسامحة فيه فالحكم فيه أن يأمر بالمعروف والعروف والعارفة والمعروف هو كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به وأن وجوده خير من عدمه وذلك لأن في هذا القسم لو اقتصر على الأخذ بالعفو ولم يأمر بالعرف ولم يكشف عن حقيقة الحال لكان ذلك سعيًا في تغيير الدين وإبطال الحق وأنه لا يجوز ثم إنه إذا أمر بالعرف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا السبب قال تعالى في آخر الآية وَأَعْرِض عَنِ الْجَاهِلِينَ وقال في آية أخرى وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِرامًا ( الفرقان 72 ) وقال وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ ( المؤمنون 3 ) وقال في صفة أهل الجنة لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيمًا ( الواقعة 25 ) وإذا أحاط عقلك بهذا التقسيم علمت أن هذه الآية مشتملة على مكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الإنسان مع الغير قال عكرمة لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام ( يا جبريل ما هذا قال يا محمد إن ربك يقول هو أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك ) قال أهل العلم تفسير جبريل مطابق للفظ الآية لأنك لو وصلت من قطعك فقد عفوت عنه وإذا آتيت من حرمك فقد آتيت بالمعروف وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهلين وقال جعفر الصادق رضي الله عنه وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية وللمفسرين في تفسير هذه الآية طريق آخر فقالوا خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أي ما عفا لك من أموالهم أي ما أتوك به عفوًا فخذه ولا تسأل عما وراء ذلك قالوا كان هذا قبل فريضة الصدقة فلما نزلت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت