فهرس الكتاب

الصفحة 2846 من 6606

واعلم أن كل نوم ونعاس فإنه لا يحصل إلا من قبل الله تعالى فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله تعالى لا بد فيه من مزيد فائدة وذكروا فيه وجوهًا أحدها أن الخائف إذا خاف من عدوه الخوف الشديد على نفسه وأهله فإنه لا يؤخذه النوم وإذا نام الخائفون أمنوا فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن وثانيها أنهم خافوا من جهات كثيرة أحدها قلة المسلمين وكثرة الكفار وثانيها الأهبة والآلة والعدة للكافرين وقلتها للمؤمنين وثالثها العطش الشديد فلولا حصول هذا النعاس وحصول الاستراحة حتى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تم الظفر

والوجه الثالث في بيان كون ذلك النعاس نعمة في حقهم أنهم ما ناموا نومًا غرقًا يتمكن العدو من معاقصتهم بل كان ذلك نعاسًا يحصل لهم زوال الأعياء والكلال مع أنهم كانوا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله ولقدروا على دفعه

والوجه الرابع أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم وحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمر خارق للعادة فلهذا السبب قيل إن ذلك النعاس كان في حكم المعجز

فإن قيل فإن كان الأمر كما ذكرتم فلو خافوا بعد ذلك النعاس

قلنا لأن المعلوم أن الله تعالى يجعل جند الإسلام مظفرًا منصورًا وذلك لا يمنع من صيرورة قوم منهم مقتولين

فإن قيل إذا قرىء يُغَشّيكُمُ بالتخفيف والتشديد ونصب النُّعَاسَ فالمضير لله عز وجل وأمنة مفعول له أما إذا قرىء يُغَشّيكُمُ النُّعَاسَ فكيف يمكن جعل قوله ءامِنَة ً مفعولًا له مع أن المفعول له يجب أن يكون فعلًا لفاعل الفعل المعلل

قلنا قوله يغشاكم وإن كان في الظاهر مسندًا إلى النعاس إلا أنه في الحقيقة مسند إلى الله تعالى فصح هذا التعليل نظرًا إلى المعنى قال صاحب ( الكشاف ) وقرىء كَانَتْ ءامِنَة ً بسكون الميم ونظير أمن أمنة حي حياة ونظير أمن أمنة رحم رحمة قال ابن عباس النعاس في القتال أمنة من الله وفي الصلاة وسوسة من الشيطان

النوع الثاني من أنواع نعم الله تعالى المذكورة في هذا الموضع قوله تعالى وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السَّمَاء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ولا شبهة أن المراد منه المطر وفي الخبر أن القوم سبقوا إلى موضع الماء واستولوا عليه وطمعوا لهذا السبب أن تكون لهم الغلبة وعطش المؤمنون وخافوا وأعوزهم الماء للشرب والطهارة وأكثرهم احتلموا وأجنبوا وانضاف إلى ذلك أن ذلك الموضع كان رملًا تغوص فيه الأرجل ويرتفع منه الغبار الكثير وكان الخوف حاصلًا في قلوبهم بسبب كثرة العدو وسبب كثرة آلاتهم وأدواتهم فلما أنزل الله تعالى ذلك المطر صار ذلك دليلًا على حصول النصرة والظفر وعظمت النعمة به من جهات أحدها زوال العطش فقد روي أنهم حفروا موضعًا في الرمل فصار كالحوض الكبير واجتمع فيه الماء حتى شربوا منه وتطهروا وتزودوا وثانيها أنهم اغتسلوا من ذلك الماء وزالت الجنابة عنهم وقد علم بالعادة أن المؤمن يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنبًا ويغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب فلا جرم عد تعالى وتقدس تمكينهم من الطهارة من جملة نعمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت