فهرس الكتاب

الصفحة 3076 من 6606

وفيه مسائل

المسألة الأولى اعلم أن هذا الكلام جامع للترغيب والترهيب وذلك لأن المعبود إذا كان لا يعلم أفعال العباد لم ينتفع العبد بفعله ولهذا قال إبراهيم عليه السلام لأبيه لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئًا ( مريم 42 ) وقلت في بعض المجالس ليس المقصود من هذه الحجة التي ذكرها إبراهيم عليه السلام القدح في إلهية الصنم لأن كل أحد يعلم بالضرورة أنه حجر وخشب وأنه معرض لتصرف المتصرفين فمن شاء أحرقه ومن شاء كسره ومن كان كذلك كيف يتوهم العاقل كونه إلهًا بل المقصود أن أكثر عبدة الأصنام كانوا في زمان إبراهيم عليه السلام أتباع الفلاسفة القائلين بأن إله العالم موجب بالذات وليس بموجد بالمشيئة والاختيار فقال الموجب بالذات إذا لم يكن عالمًا بالخيرات ولم يكن قادرًا على الإنفاع والإضرار ولا يسمع دعاء المحتاجين ولا يرى تضرع المساكين فأي فائدة في عبادته فكان المقصود من دليل إبراهيم عليه السلام الطعن في قول من يقول إله العالم موجب بالذات أما إذا كان فاعلًا مختارًا وكان عالمًا بالجزئيات فحينئذ يحصل للعباد الفوائد العظيمة وذلك لأن العبد إذا أطاع علم المعبود طاعته وقدر على إيصال الثواب إليه في الدنيا والآخرة وإن عصاه علم المعبود ذلك وقدر على إيصال العقاب إليه في الدنيا والآخرة فقوله وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ترغيب عظيم للمطيعين وترهيب عظيم للمذنبين فكأنه تعالى قال اجتهدوا في المستقبل فإن لعملكم في الدنيا حكمًا وفي الآخرة حكمًا أما حكمه في الدنيا فهو أنه يراه الله ويراه الرسول ويراه المسلمون فإن كان طاعة حصل منه الثناء العظيم والثواب العظيم في الدنيا والآخرة وإن كان معصية حصل منه الذم العظيم في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة فثبت أن هذه اللفظة الواحدة جامعة لجميع ما يحتاج المرء إليه في دينه ودنياه ومعاشه ومعاده

المسألة الثانية دلت الآية على مسائل أصولية

الحكم الأول

إنها تدل على كونه تعالى رائيًا للمرئيات لأن الرؤية المعداة إلى مفعول واحد هي الإبصار والمعداة إلى مفعولين هي العلم كما تقول رأيت زيدًا فقيهًا وههنا الرؤية معداة إلى مفعول واحد فتكون بمعنى الإبصار وذلك يدل على كونه مبصرًا للأشياء كما أن قول إبراهيم عليه السلام لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ ( مريم 42 ) يدل على كونه تعالى مبصرًا ورائيًا للأشياء ومما يقوي أن الرؤية لا يمكن حملها ههنا على العلم أنه تعالى وصف نفسه بالعلم بعد هذه الآية فقال وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة ِ ولو كانت هذه الرؤية هي العلم لزم حصول التكرير الخالي عن الفائدة وهو باطل

الحكم الثاني

مذهب أصحابنا أن كل موجود فإنه يصح رؤيته واحتجوا عليه بهذه الآية وقالوا قد دللنا على بأن الرؤية المذكورة في هذه الآية معداة إلى مفعول واحد والقوانين اللغوية شاهدة أن الرؤية المعداة إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت