فهرس الكتاب

الصفحة 3083 من 6606

كأن طهارة الباطن لها أثر فكان طهارة الباطن أولى الرابع روى صاحب ( الكشاف ) أنه لما نزلت هذه الآية مشى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال ( أمؤمنون أنتم ) فسكت القوم ثم أعادها فقال عمر يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم فقال عليه السلام ( أترضون بالقضاء ) قالوا نعم قال ( أتصبرون على البلاء ) قالوا نعم قال ( أتشكرون في الرخاء ) قالوا نعم قال عليه السلام ( مؤمنون ورب الكعبة ) ثم قال ( يا معشر الأنصار إن الله أثنى عليكم فما الذي تصنعون في الوضوء ) قالوا نتبع الماء الحجر فقرأ النبي عليه السلام فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ الآية

والقول الثاني أن المراد منه الطهارة بالماء بعد الحجر وهو قول أكثر المفسرين من أهل الأخبار

والقول الثالث أنه محمول على كلا الأمرين وفيه سؤال وهو أن لفظ الطهارة حقيقة في الطهارة عن النجاسات العينية ومجاز في البراءة عن المعاصي والذنوب واستعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معًا لا يجوز

والجواب أن لفظ النجس اسم للمستقذر وهو القدر مفهوم مشترك فيه بين القسمين وعلى هذا التقدير فإنه يزول السؤال ثم إنه تعالى أعاد السبب الأول وهو كون المسجد مبنيًا على التقوى فقال أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ وفيه مباحث

البحث الأول البنيان مصدر كالغفران والمراد ههنا المبني وإطلاق لفظ المصدر على المفعول مجاز مشهور يقال هذا ضرب الأمير ونسج زيد والمراد مضروبه ومنسوجه وقال الواحدي يجوز أن يكون لبيان جمع بنيانة إذا جعلته اسمًا لأنهم قالوا بنيانة في الواحد

البحث الثاني قرأ نافع وابن عامر أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على فعل ما لم يسم فاعله وذلك الفاعل هو الباني والمؤسس أما قوله عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ أي للخوف من عقاب الله والرغبة في ثوابه وذلك لأن الطاعة لا تكون طاعة إلا عند هذه الرهبة والرغبة وحاصل الكلام أن الباني لما بنى ذلك البناء لوجه الله تعالى وللرهبة من عقابه والرغبة في ثوابه كان ذلك البناء أفضل وأكمل من البناء الذي بناه الباني لداعية الكفر بالله والإضرار بعباد الله أما قوله مِن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ففيه مباحث

البحث الأول قرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر عن عاصم جُرُفٍ ساكنة الراء والباقون بضم الراء وهما لغتان جرف وجرف كشغل وشغل وعنق وعنق

البحث الثاني قال أبو عبيدة الشفا الشفير وشفا الشيء حرفه ومنه يقال أشفى على كذا إذا دنا منه والجرف هو ما إذا سال السيل وانحرف الوادي ويبقى على طرف السيل طين واه مشرف على السقوط ساعة فساعة فذلك الشيء هو الجرف وقوله هَارٍ قال الليث الهور مصدر هار الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد في مكانه وهو جرف هار هائر فإذا سقط فقد انهار وتهور

إذا عرفت هذه الألفاظ فنقول المعنى أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه خير أمن أسس على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء وهو الباطل والنفاق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت