فهرس الكتاب

الصفحة 3091 من 6606

فنقول أقسام المضار خمسة لأن المضرة إما أن تحصل في النفوس أو في الأموال أو في الأديان أو في الأنساب أو في العقول أما المضار الحاصلة في النفوس فهي إما أن تحصل في كل النفس والحكم فيه إما القصاص أو الدية أو الكفارة وإما في بعض من أبعاض البدن كقطع اليد وغيرها والواجب فيه إما القصاص أو الدية أو الإرش وأما المضار الحاصلة في الأموال فذلك الضرر إما أن يحصل على سبيل الإعلان والإظهار وهو كتاب الغصب أو على سبيل الخفية وهو كتاب السرقة وأما المضار الحاصلة في الأديان فهي إما الكفر وإما البدعة أما الكفر فيدخل فيه أحكام المرتدين وليس للفقهاء كتاب مقرر في أحكام المبتدعين وأما المضار الحاصلة في الأنساب فيتصل به تحريم الزنا واللواط وبيان العقوبة المشروعة فيهما ويدخل فيه أيضًا باب حد القذف وباب اللعان وههنا بحث آخر وهو أن كل أحد لا يمكنه استيفاء حقوقه من المنافع ودفع المضار بنفسه لأنه ربما كان ضعيفًا فلا يلتفت إليه خصمه فلهذا السر نصب الله تعالى الإمام لتنفيد الأحكام ويجب أن يكون لذلك الإمام نواب وهم الأمراء والقضاة فلما لم يجز أن يكون قول الغير مقبولًا على الغير إلا بالحجة فالشرع أثبت لإظهار الحق حجة مخصوصة وهي الشهادة ولا بد أن يكون للدعوى ولإقامة البينة شرائط مخصوصة فلا بد من باب مشتمل عليها فهذا ضبط معاقد تكاليف الله تعالى وأحكامه وحدوده ولما كانت كثيرة والله تعالى إنما بينها في كل القرآن تارة على وجه التفصيل وتارة بأن أمر الرسول عليه السلام حتى يبينها للمكلفين لا جرم أنه تعالى أجمل ذكرها في هذه الآية فقال وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وهو يتناول جملة هذه التكاليف

واعلم أن الفقهاء ظنوا أن الذي ذكروه في بيان التكاليف وليس الأمر كذلك فإن أعمال المكلفين قسمان أعمال الجوارح وأعمال القلوب وكتب الفقه مشتملة على شرح أقسام التكاليف المتعلقة بأعمال الجوارح فأما التكاليف المتعلقة بأعمال القلوب فلم يبحثوا عنها ألبتة ولم ينصفوا لها كتبًا وأبوابًا وفصولًا ولم يبحثوا عن دقائقها ولا شك أن البحث عنها أهم والمبالغة في الكشف عن حقائقها أولى لأن أعمال الجوارح إنما تراد لأجل تحصيل أعمال القلوب والآيات الكثيرة في كتاب الله تعالى ناطقة بذلك إلا أن قوله سبحانه وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ متناول لكل هذه الأقسام على سبيل الشمول والإحاطة

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الصفات التسعة قال وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ والمقصود منه أنه قال في الآية المتقدمة فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ فذكر هذه الصفات التسعة ثم ذكر عقيبها قوله وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ تنبيهًا على أن البشارة المذكورة في قوله فَاسْتَبْشِرُواْ لم تتناول إلا المؤمنين الموصوفين بهذه الصفات

فإن قيل ما السبب في أنه تعالى ذكر تلك الصفات الثمانية على التفصيل ثم ذكر تعالى عقيبها سائر أقسام التكاليف على سبيل الإجمال في هذه الصفة التاسعة

قلنا لأن التوبة والعبادة والاشتغال بتحميد الله والسياحة لطلب العلم والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمور لا ينفك المكلف عنها في أغلب أوقاته فلهذا ذكرها الله تعالى على سبيل التفصيل وأما البقية فقد ينفك المكلف عنها في أكثر أوقاته مثل أحكام البيع والشراء ومثل معرفة أحكام الجنايات وأيضًا فتلك الأمور الثمانية أعمال القلوب وإن كانت أعمال الجوارح إلا أن المقصود منها ظهور أحوال القلوب وقد عرفت أن رعاية أحوال القلوب أهم من رعاية أحوال الظاهر فلهذا السبب ذكر هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت