فهرس الكتاب

الصفحة 3093 من 6606

المسألة الثانية قوله مَا كَانَ لِلنَّبِى ّ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ يحتمل أن يكون المعنى ما ينبغي لهم ذلك فيكون كالوصف وأن يكون معناه ليس لهم ذلك على معنى النهي فالأول معناه أن النبوة والإيمان يمنع من الاستغفار للمشركين والثاني معناه لا تستغفروا والأمران مقاربان وسبب هذا المنع ما ذكره الله تعالى في قوله مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وأيضًا قال إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء والمعنى أنه تعالى لما أخبر عنهم أنه يدخلهم النار فطلب الغفران لهم جار مجرى طلب أن يخلف الله وعده ووعيده وأنه لا يجوز وأيضًا لما سبق قضاء الله تعالى بأنه يعذبهم فلو طلبوا غفرانه لصاروا مردودين وذلك يوجب نقصان درجة النبي عليه الصلاة والسلام وحظ مرتبته وأيضًا أنه قال ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ( غافر 60 ) وقال عنهم أنهم أصحاب الجحيم فهذا الاستغفار يوجب الخلف في أحد هذين النصين وإنه لا يجوز وقد جوز أبو هاشم أن يسأل العبد ربه شيئًا بعد ما أخبر الله عنه أنه لا يفعله واحتج عليه بقول أهل النار رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا ( المؤمنون 107 ) مع علمهم بأنه تعالى لا يفعل ذلك وهذا في غاية البعد من وجوه الأول أم هذا مبني على مذهبه أن أهل الآخرة لا يجهلون ولا يكذبون وذلك ممنوع بل نص القرآن يبطله وهو قوله ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ( الأنعام 23 ) انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ( الأنعام 24 ) والثاني أن في حقهم يحسن ردهم عن ذلك السؤال وإسكاتهم أما في حق الرسول عليه الصلاة والسلام فغير جائز لأنه يوجب نقصان منصبه والثالث أن مثل هذا السؤال الذي يعلم أنه لا فائدة فيه إما أن يكون عبثًا أو معصية وكلاهما جائزان على أهل النار وغير جائزين على أكابر الأنبياء عليهم السلام

المسألة الثالثة أنه تعالى لما بين أن العلة المانعة من هذا الاستغفار هو تبين كونهم من أصحاب النار وهذه العلة لا تختلف بأن يكونوا من الأقارب أو من الأباعد فلهذا السبب قال تعالى وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَى وكون سبب النزول ما حكينا يقوي هذا الذي قلناه

أما قوله تعالى وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْراهِيمَ لاِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَة ٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ففيه مسائل

المسألة الأولى في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه الأول أن المقصود منه أن لا يتوهم إنسان أنه تعالى منع محمدًا من بعض ما أذن لإبراهيم فيه والثاني أن يقال إنا ذكرنا في سبب اتصال هذه الآية بما قبلها المبالغة في إيجاب الانقطاع عن الكفار أحيائهم وأمواتهم ثم بين تعالى أن هذا الحكم غير مختص بدين محمد عليه الصلاة والسلام بل المبالغة في تقرير وجوب الانقطاع كانت مشروعة أيضًا في دين إبراهيم عليه السلام فتكون المبالغة في تقرير وجوب المقاطعة والمباينة من الكفار أقوى الثالث أنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام في هذه الآية بكونه حليمًا أي قليل الغضب وبكونه أواها أي كثير التوجع والتفجع عند نزول المضار بالناس والمقصود أن من كان موصوفًا بهذه الصفات كان ميل قلبه إلى الاستغفار لأبيه شديدًا فكأنه قيل إن إبراهيم مع جلالة قدره ومع كونه موصوفًا بالأواهية والحليمية منعه الله تعالى من الاستغفار لأبيه الكافر فلأن يكون غيره ممنوعًا من هذا المعنى كان أولى

المسألة الثانية دل القرآن على أن إبراهيم عليه السلام استغفر لأبيه قال تعالى حكاية عنه وَاغْفِرْ لاِبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالّينَ ( الشعراء 86 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت