فهرس الكتاب
لنفسه تقصيرًا أو ذكر له شيء من شدائد الآخرة كان يتأوه إشفاقًا من ذلك واستعظامًا له وعن ابن عباس رضي الله عنهما الأواه المؤمن بالخشية وأما وصفه بأنه حليم فهو معلوم واعلم أنه تعالى إنما وصفه بهذين الوصفين في هذا المقام لأنه تعالى وصفه بشدة الرقة والشفقة والخوف والوجل ومن كذلك فإنه تعظم رقته على أبيه وأولاده فبين تعالى أنه مع هذه العادة تبرأ من أبيه وغلظ قلبه عليه لما ظهر له إصراره على الكفر فأنتم بهذا المعنى أولى وكذلك وصفه أيضًا بأنه حليم لأن أحد أسباب الحلم رقة القلب وشدة العطف لأن المرء إذا كان حاله هكذا اشتد حلمه عند الغضب
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ والأرض يُحْى ِ وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِى ٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
في الآية مسائل
المسألة الأولى اعلم أنه تعالى لما منه المؤمنين من أن يستغفروا للمشركين والمسلمون كانوا قد استغفروا للمشركين قبل نزول هذه الآية فإنهم قبل نزول هذه الآية كانوا يستغفرون لآبائهم وأمهاتهم وسائر أقربائهم ممن مات على الكفر فلما نزلت هذه الآية خافوا بسبب ما صدر عنهم قبل ذلك من الاستغفار للمشركين وأيضًا فإن أقوامًا من المسلمين الذين استغفروا للمشركين كانوا قد ماتوا قبل نزول هذه الآية فوقع الخوف عليهم في قلوب المسلمين أنه كيف يكون حالهم فأزال الله تعالى ذلك الخوف عنهم بهذه الآية وبين أنه تعالى لا يؤاخذهم بعمل إلا بعد أن يبين لهم أنه يجب عليهم أن يتقوه ويحترزوا عنه فهذا وجه حسن في النظم وقيل المراد إن من أول السورة إلى هذا الموضع في بيان المنع من مخالطة الكفار والمنافقين ووجوب مباينتهم والاحتراز عن موالاتهم فكأنه قيل إن الإله الرحيم الكريم كيف يليق به هذا التشديد الشديد في حق هؤلاء الكفار والمنافقين فأجيب عنه بأنه تعالى لا يؤاخذ أقوامًا بالعقوبة بعد إذ دعاهم إلى الرشد حتى يبين لهم ما يجب عليهم أن يتقوه فأما بعد أن فعل ذلك وأزاح العذر وأزال العلة فله أن يؤاخذهم بأشد أنواع المؤاخذة والعقوبة وفي قوله تعالى لِيُضِلَّ وجوه الأول أن المراد أنه أضله عن طريق الجنة أي صرفه عنه ومنعه من التوجه إليه والثاني قالت المعتزلة المراد من هذا الإضلال الحكم عليهم بالضلال واحتجوا بقول الكميت وطائفة قد أكفروني بحبكم