فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 6606

الثالث أن كل ما في الأرض والسماء من دلائل الصانع فهو حاصل في الإنسان وقد حصل في الإنسان من الدلائل ما لم يحصل فيهما لأن الإنسان حصل فيه الحياة والقدرة والشهوة والعقل وكل ذلك مما لا يقدر عليه أحد سوى الله تعالى فلما كانت وجوه الدلائل له ههنا أتم كان أولى بالتقديم واعلم أنا كما ذكرنا السبب في الترتيب فلنذكر في كل واحد من هذه الثلاثة من المنافع

المسألة الرابعة اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر ههنا أنه جعل الأرض فراشًا ونظيره قوله أَم مَّنْ جَعَلَ الاْرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا ( النحل 61 ) وقوله الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الاْرْضَ مِهَادًا ( الزخرف 10 ) واعلم أن كون الأرض فراشًا مشروط بأمور الشرط الأول كونها ساكنة وذلك لأنها لو كانت متحركة لكانت حركتها إما بالإستقامة أو بالاستدارة فإن كانت بالاستقامة لما كانت فراشًا لنا على الإطلاق لأن من طفر من موضع عال كان يجب أن لا يصل إلى الأرض لأن الأرض هاوية وذلك الإنسان هاوٍ والأرض أثقل من الإنسان والثقيلان إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما والأَبطأ لا يلحق الأسرع فكان يجب أن لا يصل الإنسان إلى الأرض فثبت أنها لو كانت هاوية لما كانت فراشًا أما لو كانت حركتها بالاستدارة لم يكمل انتفاعنا بها لأن حركة الأرض مثلًا إذا كانت إلى المشرق والإنسان يريد أن يتحرك إلى جانب المغرب ولا شك أن حركة الأرض أسرع فكان يجب أن يبقى الإنسان على مكانه وأنه لا يمكنه الوصول إلى حيث يريد فلما أمكنه ذلك علمنا أن الأرض غير متحركة لا بالاستدارة ولا بالاستقامة فهي ساكنة ثم اختلفوا في سبب ذلك السكون على وجوه أحدها أن الأرض لا نهاية لها من جانب السفل وإذا كان كذلك لم يكن لها مهبط فلا تنزل وهذا فاسد لما ثبت بالدليل تناهي الأجسام وثانيها الذين سلموا تناهي الأجسام قالوا الأرض ليست بكرة بل هي كنصف كرة وحدبتها فوق وسطحها أسفل وذلك السطح موضوع على الماء والهواء ومن شأن الثقيل إذا انبسط أن يندغم على الماء والهواء مثل الرصاصة فإنها إذا انبسطت طفت على الماء وإن جمعت رسبت وهذا باطل الوجهين الأول أن البحث عن سبب وقوف الماء والهواء كالبحث عن سبب وقوف الأرض والثاني لم صار ذلك الجانب من الأرض منبسطًا حتى وقف على الماء وصار هذا الجانب متحدبًا وثالثها الذين قالوا سبب سكون الأرض جذب الفلك لها من كل الجوانب فلم يكن انجذابها إلى بعض الجوانب أولى من بعض فبقيت في الوسط وهذا باطل لوجهين الأول أن الأصغر أسرع انجذابًا من الأكبر فما بال الذرة لا تنجذب إلى الفلك الثاني الأقرب أولى بالانجذاب فالذرة المقذوفة إلى فوق أولى بالانجذاب وكان يجب أن لا تعود ورابعها قول من جعل سبب سكونها دفع الفلك لها من كل الجوانب كما إذا جعل شيء من التراب في قنينة ثم أديرت القنينة على قطبها إدارة سريعة فإنه يقف التراب في وسط القنينة لتساوي الدفع من كل الجوانب وهذا أيضًا باطل من وجوه خمسة الأول الدفع إذا بلغ في القوة إلى هذا الحد فلم لا يحس به الواحد منا الثاني ما بال هذا الدفع لا يجعل حركة السحب والرياح إلى جهة بعينها الثالث ما باله لم يجعل انتقالها إلى المغرب أسهل من انتقالها إلى المشرق الرابع يجب أن يكون الثقيل كلما كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت