فهرس الكتاب

الصفحة 324 من 6606

الكلام في النبوة

وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَة ٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة ُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ

في الآية مسائل

المسألة الأولى اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أقام الدلائل القاهرة على إثبات الصانع وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدل على النبوة وذلك يدل على فساد قول التعليمية الذين جعلوا معرفة الله مستفادة من معرفة الرسول وقول الحشوية الذين يقولون لا تحصل معرفة الله إلا من القرآن والأخبار ولما كانت نبوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) مبنية على كون القرآن معجزًا أقام الدلالة على كونه معجزًا واعلم أن كونه معجزًا يمكن بيانه من طريقين الأول أن يقال إن هذا القرآن لا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة إما أن يكون مساويًا لسائر كلام الفصحاء أو زائدًا على سائر كلام الفصحاء بقدر لا ينقض العادة أو زائدًا عليه بقدر ينقض والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث وإنما قلنا إنهما باطلان لأنه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمثل سورة منه إما مجتمعين أو منفردين فإن وقع التنازع وحصل الخوف من عدم القبول فالشهود والحكام يزيلون الشبهة وذلك نهاية في الاحتجاج لأنهم كانوا في معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية وكانوا في محبة أبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال وارتكبوا ضروب المهالك والمحن وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل وكل ذلك يوجب الاتيان بما يقدح في قوله والمعارضة أقوى القوادح فلما لم يأتوا بها علمنا عجزهم عنها فثبت أن القرآن لا يماثل قولهم وأن التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتًا معتادًا فهو إذن تفاوت ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزًا فهذا هو المراد من تقرير هذه الدلالة فظهر أنه سبحانه كما لم يكتف في معرفة التوحيد بالتقليد فكذا في معرفة النبوة لم يكتف بالتقليد واعلم أنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان فصاحته ومع ذلك فإنه في الفصاحة بلغ النهاية التي لا غاية لها وراءها فدل ذلك على كونه معجزًا أحدها أن فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتفقت العرب عليها في كلامهم وثانيها أنه تعالى راعى فيه طريقة الصدق وتنزه عن الكذب في جميعه وكل شاعر ترك الكذب والتزم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت