فهرس الكتاب
تعالى تخليصه بطريق من الطرق إما بأن يمكنه من الدخول في السفينة وإما أن يحفظه على قلة جبل فعند ذلك أخبره الله تعالى بأنه منافق وأنه ليس من أهل دينه فالزلة الصادرة عن نوح عليه السلام هو أنه لم يستقص في تعريف ما يدل على نفاقه وكفره بل اجتهد في ذلك وكان يظن أنه مؤمن مع أنه أخطأ في ذلك الاجتهاد لأنه كان كافرًا فلم يصدر عنه إلا الخطأ في هذا الاجتهاد كما قررنا ذلك في أن آدم عليه السلام لم تصدر عنه تلك الزلة إلا لأنه أخطأ في هذا الاجتهاد فثبت بما ذكرنا أن الصادر عن نوح عليه السلام ما كان من باب الكبائر وإنما هو من باب الخطأ في الاجتهاد والله أعلم
قِيلَ يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ
وفي الآية مسائل
المسألة الأولى أنه تعالى أخبر عن السفينة أنها استوت على الجودي فهناك قد خرج نوح وقومه من السفينة لا محالة ثم إنهم نزلوا من ذلك الجبل إلى الأرض فقوله اهْبِطْ يحتمل أن يكون أمرًا بالخروج من السفينة إلى أرض الجبل وأن يكون أمرًا بالهبوط من الجبل إلى الأرض المستوية
المسألة الثانية أنه تعالى وعده عند الخروج بالسلامة أولًا ثم بالبركة ثانيًا أما الوعد بالسلامة فيحتمل وجهين الأول أنه تعالى أخبر في الآية المتقدمة أن نوحًا عليه السلام تاب عن زلته وتضرع إلى الله تعالى بقوله وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ الْخَاسِرِينَ ( هود 47 ) وهذا التضرع هو عين التضرع الذي حكاه الله تعالى عن آدم عليه السلام عند توبته من زلته وهو قوله رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( الأعراف 23 ) فكان نوح عليه السلام محتاجًا إلى أن بشره الله تعالى بالسلامة من التهديد والوعيد فلما قيل له قِيلَ يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مّنَّا حصل له الأمن من جمبع المكاره المتعلقة بالدين والثاني أن ذلك الغرق لما كان عامًا في جميع الأرض فعند ما خرج نوح عليه السلام من السفينة علم أنه ليس في الأرض شيء مما ينتفع به من النبات والحيوان فكان كالخائف في أنه كيف يعيش وكيف يدفع جميع الحاجات عن نفسه من المأكول والمشروب فلما قال الله تعالى اهْبِطْ بِسَلَامٍ مّنَّا زال عنه ذلك الخوف لأن ذلك يدل على حصول السلامة من الآفات ولا يكون ذلك إلا مع الأمن وسعة الرزق ثم إنه تعالى لما وعده بالسلامة أردفه بأن وعده بالبركة هي عبارة عن الدوام والبقاء والثبات ونيل الأمل ومنه بروك الإبل ومنه البركة لثبوت الماء فيها ومنه تبارك وتعالى أي ثبت تعظيمه ثم اختلف المفسرون في تفسير هذا الثبات والبقاء
فالقول الأول أنه تعالى صير نوحًا أبا البشر لأن جميع من بقي كانوا من نسله وعند هذا قال هذا القائل إنه لما خرج نوح من السفينة مات كل من كان معه ممن لم يكن من ذريته ولم يحصل النسل إلا من