فهرس الكتاب

الصفحة 3382 من 6606

وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم آوى إلى صخرة فقام بها وهو يبكي فنادوه فظن أنه رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فقام يهودا فمنعهم وكان يهودا يأتيه بالطعام وروي أنه عليه السلام لما ألقي في الجب قال يا شاهدًا غير غائب ويا قريبًا غير بعيد ويا غالبًا غير مغلوب اجعل لي من أمري فرجًا ومخرجًا وروي أن إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار جرد عن ثيابه فجاءه جبريل عليه السلام بقميص من حرير الجنة وألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحق وإسحق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة وعلقها في عنق يوسف عليه السلام فجاء جبريل عليه السلام فأخرجه وألبسه إياه

ثم قال تعالى وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَاذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ وفيه مسائل

المسألة الأولى في قوله وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ قولان أحدهما أن المراد منه الوحي والنبوة والرسالة وهذا قول طائفة عظيمة من المحققين ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه عليه السلام هل كان في ذلك الوقت بالغًا أو كان صبيًا قال بعضهم إنه كان في ذلك الوقت بالغًا وكان سنه سبع عشرة سنة وقال آخرون إنه كان صغيرًا إلا أن الله تعالى أكمل عقله وجعله صالحًا لقبول الوحي والنبوة كما في حق عيسى عليه السلام

والقول الثاني إن المراد من هذا الوحي الإلهام كما في قوله تعالى وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمّ مُوسَى ( القصص 7 ) وقوله وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ( النحل 68 ) والأول لأن الظاهر من الوحي ذلك

فإن قيل كيف يجعله نبيًا في ذلك الوقت وليس هناك أحد يبلغه الرسالة

قلنا لا يمتنع أن يشرفه بالوحي والتنزيل ويأمره بتبليغ الرسالة بعد أوقات ويكون فائدة تقديم الوحي تأنيسه وتسكين نفسه وإزالة الغم والوحشة عن قلبه

المسألة الثانية في قوله وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ قولان الأول المراد أن الله تعالى أوحى إلى يوسف إنك لتخبرن إخوتك بصنيعهم بعد هذا اليوم وهم لا يشعرون في ذلك الوقت إنك يوسف والمقصود تقوية قلبه بأنه سيحصل له الخلاص عن هذه المحنة ويصير مستوليًا عليهم ويصيرون تحت قهره وقدرته وروي أنهم حين دخلوا عليه لطلب الحنطة وعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فظن فقال إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف فطرحتموه في البئر وقلتم لأبيكم أكله الذئب والثاني أن المراد إنا أوحينا إلى يوسف عليه السلام في البئر بأنك تنبىء إخوتك بهذه الأعمال وهم ما كانوا يشعرون بنزول الوحي عليه والفائدة في إخفاء نزول ذلك الوحي عنهم أنهم لو عرفوه فربما ازداد حسدهم فكانوا يقصدون قتله

المسألة الثالثة إذا حملنا قوله وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ على التفسير الأول كان هذا أمرًا من الله تعالى نحو يوسف في أن يستر نفسه عن أبيه وأن لا يخبره بأحوال نفسه فلهذا السبب كتم أخبار نفسه عن أبيه طول تلك المدة مع علمه بوجد أبيه به خوفًا من مخالفة أمر الله تعالى وصبر على تجرع تلك المرارة فكان الله سبحانه وتعالى قد قضى على يعقوب عليه السلام أن يوصل إليه تلك الغموم الشديدة والهموم العظيمة ليكثر رجوعه إلى الله تعالى وينقطع تعلق فكره عن الدنيا فيصل إلى درجة عالية في العبودية لا يمكن الوصول إليها إلا بتحمل المحن الشديدة والله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت